القائمة الرئيسية

الصفحات

الأبعاد النفسية للتنشئة الاقتصادية بين الواقع المجتمعي والمتوقع الإسلامي

يسعى كل مجتمع إلى تبنى نموذج مثالي Prototype للشخصية المعيارية التي يجب أن يكون عليها غالبية أو كل أفراده، إن استطاع إلى ذلك سبيلا، بحيث تصبح هذه الشخصية، بلغة علماء الإحصاء هي الشخصية المتوالية أي الأكثر شيوعا فيه، وهو ما يعد، حينئذ، مؤشرا على نجاحه. ومن المفترض إن تنجز هذه المهمة من خلال عملية يطلق عليها علماء النفس الاجتماعي التنشئة الاجتماعيةSocialization ومن المتوقع في حالتنا كأمة إسلامية إن يشكل الإسلام الملامح الرئيسية لهذا النموذج المثالي ، و مع اعترافنا بأنه ثمة بعض الفروق الثقافية غير الجوهرية عبر مجتمعاتها في هذا النموذج، والناتجة عن جوانب التفرد في كل ثقافة فرعية فيها إلا أنها فروق تسعها المرونة المعروفة للحضارة الإسلامية، والتي جسدها، فيما سبق، مدى تفهمها، وتقبلها بل، للاختلاف بين المجتهدين. و يعرف علماء النفس الاجتماعي التنشئة الاجتماعية بأنها " تلك العملية آلتي يكتسب الفرد من خلالها أنماطا معينة من الخبرات و السلوك الاجتماعي الملائم (معرفة، قيم، مهارات اجتماعية) أثناء تفاعله مع الآخرين، بهدف جعل الشخصية المعيارية التي يرتضيها المجتمع هي الشخصية الأكثر شيوعا فيه[ السيد 1980، 52 ؛ رضوان ، 1992]، أي إنها كما يشير سلامة، و عبد الغفار تلك العملية التي يتحول بموجبها الفرد من كائن بيولوجي يعتمد على غيره متمركز حول ذاته لا يهدف في حياته إلا إشباع حاجاته الفسيولوجية إلى كائن اجتماعي ناضج يدرك معنى المسئولية، وكيف يتحملها، ويعرف معنى الاستقلال، و إقامة علاقات متوازنة، ومتوافقة مع الآخرين (العويضة 2000؛ نعيمة، 2002) .ويشير الباحثون إلى وجود مؤسسات اجتماعية عديدة تقوم بأداء تلك المهمة الكبرى تتمثل في الأسرة والأقران والمؤسسة التعليمية، والدينية، والسياسية و الإعلامية، فضلا عن مؤسسات المجتمع المدني الأخرى.وتجدر الإشارة إلى أن ثمة تفاوت في الأهمية النسبية لدور كل منها، ومدى نجاحه في إتمام المهام المنوطة به عبر الأفراد في مراحلهم الارتقائية المتنوعة فالأسرة، على سبيل المثال، أكثرها تأثيرا في المراحل الارتقائية المبكرة، بيد أن تأثير المؤسسة التعليمية يزداد أبان مرحلة الطفولة المتوسطة والمتأخرة، في حين يصبح الأقران أكثر تأثيرا أثناء مرحلة المراهقة، أما المؤسسات الأخرى، الدينية والإعلامية والسياسية، فإن تأثيرها يتراوح صعودا وهبوطا كنتيجة لعوامل متعددة عبر هذه المراحل. ولكن وعلى الرغم من اعترافنا بأهمية دور عملية التنشئة الاجتماعية في صياغة شخصية الإنسان بشكل عام، والإنسان المسلم بشكل خاص، إلا أن لنا تحفظا رئيسيا على أسلوب تناول الباحثين النفسيين لذلك الدور، حيث تعامل معظمهم معه بصورة إجمالية انصب فيها اهتمامهم على دراسة أبعاد عملية التنشئة الاجتماعية في الأسرة، بشكل خاص، في محاولة للكشف عن أساليب تعامل الوالدين، أو كل منهما منفردا، مع الأبناء وتوصلوا إلى مجموعة من الأبعاد القطبية قوامها: التقبل - النبذ، والتشدد – التساهل، والاتساق – عدم الاتساق، على الرغم من أن التنشئة الاجتماعية تتضمن عناصر فرعية أكبر بكثير من مجرد تلك الأبعاد الخاصة بتعامل الوالدين مع الأبناء، وهو ما لم يهتم به الباحثون النفسيون كثيرا ويرى الباحث أن التنشئة الاجتماعية كعملية كلية، بغض النظر عن المؤسسات التي تقوم بها، مثل المجموع الكلى للطالب محصلة لدرجاته في مواد نوعية كثيرة، أي أنها نتاج لعمليات تنشئه فرعية متنوعة يشكل محتواها مجمل أبعاد عملية التنشئة الاجتماعية الإجمالية، ومن ثم فأن عدم فحص وتناول تلك العمليات الفرعية بشيء من التفصيل سيجعل من الصعب علينا فهم تلك العملية العامة بصورة دقيقة.ويفترض إن تتمثل تلك العمليات الفرعية فيما يلي - التنشئة المعرفية: ويتم فيها العناية بتنمية القدرات الإبداعية للفرد، ومهاراته الناقدة، والاستدلالية حتى يحسن استخدام قدراته المعرفية بكفاءة. - التنشئة الوجدانية: وتهدف إلى حث الفرد، وتدريبه ، على التحكم في انفعالاته، وتوجيهها الوجهة المرغوبة. - التنشئة الدينية: وتعنى ببث الوعي الديني والتشجيع على الالتزام بالشعائر الدينية - التنشئة السياسية: ومناط اهتمامها تزويد الفرد بمعلومات عن الحياة السياسية و تبنى اتجاهات معينة حيال الأنشطة السياسية - التنشئة الصحية: حيث ينصب التركيز فيها على صقل الوعي الصحي وتعويد الفرد على العادات الصحية والممارسات الكفيلة بالحفاظ على صحته العامة، والتي لن تتأتي بطبيعة الحال إلا بعد تزويده بمعلومات كافية عن العمليات الفسيولوجية والحيوية داخل جسمه. - التنشئة القانونية: وتهدف إلى تبصير الشخص بطبيعة القانون، وأهم قواعده، وسبل التعامل مع الآخرين وفقا لضوابطه. - التنشئة البيئية: وتهدف إلى غرس الوعي البيئي لدى الفرد، وبيان أساليب التعامل الرشيد مع مفردات البيئة الطبيعية. - التنشئة الاقتصادية: وتعنى بكيفية تعليم الفرد إدارة إمكاناته وموارده الاقتصادية، والتعامل مع الجوانب الاقتصادية في حياته بكفاءة. ومن المفترض إن يشكل كل نوع من أنواع التنشئة السابقة أحد أجنحة عملية التنشئة الاجتماعية العامة، فضلا عن أن كل منها يتضمن أبعادا متنوعة من شأن الكشف عن طبيعتها، والوقوف على كيفية تشكلها، أن يمكننا من القيام بها بصورة فعالة، وبذا يتوفر لدينا أجيال تتسم بقدر مرتفع من الإبداع، والمعرفة، والتدين، والصحة، و الوعي السياسي، والخدمي التطوعي، والقانوني، والاقتصادي، وهو ما سيؤدى بطبيعة الحال إلى تنمية شخصية إسلامية متكاملة تسهم في إدارة الوجود الحضاري لأمتنا والارتقاء به في الوجهة المرغوبة ونظرا للطبيعة الخاصة لهذه الورقة، والمرتبطة بهدف تلك الندوة ذات الطابع الاقتصادي، فإن اهتمامنا سينصب فيها على طرح إطار تصوري حول عملية التنشئة الاقتصادية للشخصية المسلمة من خلال مجمل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وتتمثل أهمية إلقاء مزيد من الضوء على تلك العملية في أن القيام بها بصورة فعالة يعد شرطا أساسيا لحدوث التنمية في أقطار امتنا الإسلامية. حين نتناول بالتفصيل ملامح عملية التنشئة الاقتصادية بوصفها أحد أفرع عملية التنشئة الاجتماعية سنجد أنها تنتظم في محورين رئيسيين هما أولا: جوانب وأبعاد التنشئة الاقتصادية. ثانيا: آليات التنشئة الاقتصادية . وسنعرض فيما يلي لكل محور من هذين المحورين بقدر من الإفاضة على النحو التالي: أولا: جوانب وأبعاد التنشئة الاقتصادية حين نسعى لتعريف مفهوم التنشئة الاقتصادية سنجد أننا بحاجة أولا لتعريف مفهوم الاقتصاد، والذي يعرف بأنه " الاستخدام الأمثل للموارد المادية وغير المادية بغية تحقيق الأهداف الفردية والمجتمعية و"بناء على ذلك فإن التنشئة الاقتصادية تعنى توجيه وتنمية قدرة الفرد على التعامل الفعال مع الجوانب الاقتصادية " كالإنتاج، والاستهلاك، والاتجاهات نحو العمل، والتكنولوجيا، والوقت (عبود، 1992، 51 -52)، ومن المتوقع إن تسهم التنشئة القويمة، المتوازنة، لهذا الجانب لدى الفرد في نشأة الشخصية الإيجابية القادرة على إدارة عمليات التنمية بكفاءة، وحري الذكر أن شعوبنا في حاجة ماسة، وبشكل خاص في تلك اللحظة التاريخية الراهنة، إلى تربية اقتصادية تعلمها: التعفف عن الحرام، والاقتصاد في الحلال، والقناعة بالقليل، والصيام والجوع عند اللزوم، تحريرا لإرادة الأمة من التبعية، وتثبيتا لسيادتها واستقلالها (القرضاوي، 1995، 150) . حين نتطرق إلى الأبعاد النفسية لعملية التنشئة الاقتصادية سنطرح تصورا مبدئيا يحوى الأبعاد الثمانية المبدئية المقترحة لعملية التنشئة الاقتصادية، وسنعرض بشيء من التفصيل لكل منها على حدة فيما يلي 1-إدارة الاستهلاك الرشيد من مظاهر الاهتمام بعملية التربية الاستهلاكية إن علم النفس أصبح يضم من بين فروعه فرعا جديدا يسمى " علم نفس المستهلك " Smith,1998,24 - Consumer Psychologyومبعث ذلك الاهتمام أننا إزاء ثورة جديدة ارتبطت بالثورات التقنية، والمعلوماتية، والمالية قد لا تقل عنها عمقا وتأثيرا، ألا وهى ثورة التطلعات (الاستهلاكية) فالمجتمع يتطلع إلى مستويات المعيشة الأفضل، وما ينطوي عليه من أنماط استهلاكية ذات طبيعة ترفية، ومن المتوقع أنه بقدر ما فتحت ثورة التطلعات الأمل نحو المستقبل بقدر ما أثارت – وخاصة في معظم الدول النامية – شعورا بالإحباط واليأس نتيجة العجز عن ملاحقة هذه المستويات العالية لظروف المعيشة (الببلاوى، 1999، 235) . وحري بالذكر أن الإسلام قد حرص على مساعدة الفرد المسلم على تبنى إستراتيجية تيسر عليه التحكم في تلك الفجوة وتقليلها قوامها الحض على الإنفاق المنضبط بمكوناته الثلاثة: الاستهلاكي، والاستثماري، والصدقى (الغزالى، 1988، 572) ، ومما يبرز عناية الإسلام بقضية الاستهلاك المعتدل قوله تعالى في سورة الفرقان – أية 67 في وصف عابد الرحمن " الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " (عبود، 1992، 157) ، ونهى رسول الله الكريم عن الإسراف في استخدام المياه حتى ولو كان المسلم يتوضأ على نهر جار، كما روى عن ابن ماجة وكذلك أمره إيانا أن نسلت القصعة أي نتتبع ما فيها من الطعام بحيث لا يبقى فيها فضلة ترمى (القرضاوي، 1995، 19 ؛العوضى، 1987) ، ولا عجب في هذا فإن الإسراف والترف، كما يقول عماد الدين خليل، ممارسة مدمرة سواء للجماعة كلها، التي تسكت وتغض الطرف عنه، أو للمترفين أنفسهم (عبود، 1992، 160) ، ويروى يحيى ابن عدى في هذا المقام في كتابه تهذيب الأخلاق " أن من الأخلاق السيئة الشره، والانهماك في الشهوات، والبخل، ويحدد الغزالى في إحياء علوم الدين " المنجيات العشر ويذكر منها: الزهد في الدنيا، والرضا بالعطاء، أما المهلكات فمنها: البخل، وشره الطعام، وشره الو قاع، وحب المال، وحب الجاه (العاني، 1998، 91-95). حين نعرض بصورة مفصلة لبعد إدارة الاستهلاك الرشيد والذي يعد أحد العناصر المركزية في عملية التربية الاستهلاكية سنجده يتضمن الجوانب الأساسية التالية أ- التعريف بدور الاستهلاك في العملية الاقتصادية والاجتماعية تمارس طبيعة الاستهلاك آثارا اقتصادية ملحوظة في المجتمع على أساس إن الاستهلاك يعد الهدف النهائي للإنتاج، إذ يؤدى انخفاض معدلات الاستهلاك -على حد قول شولتز – إلى تقويض اشد المؤسسات رسوخا، ذلك أن استمرار أي مؤسسة مرهون بمدى نجاحها في تسويق منتجاتها، أي بقدرتها على إقناع الجمهور بشراء منتجاتها (شحاته، 1998). ومن ثم فإن الإفراط في الاستهلاك يخل بعملية التوازن بين الطلب والعرض مما يؤدى إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما يؤثر سلبا على مستوى المعيشة، ونمط الحياة. أما فيما يتصل بالآثار السلبية الصحية و النفسية من جراء المغالاة في الاستهلاك أو تدنيه فهي متعددة منها، على سبيل المثال، إن عجز الفرد عن التحكم في إيقاف عمليات الاستهلاك عند الحد الآمن لسلعة ما قد يصيبه بأمراض بدنية معينة فضلا عن أنه سيقلل من قدرته على التحكم في الجوانب الأخرى من سلوكه، وهو ما سيهدد جانب أساسي في شخصيته، واستقراره النفسي ألا وهو القدرة على إدارة الذات self management والتحكم فيها (stewart , 1992)، وقد جاء في الأثر في معرض التدليل على ضرورة حث الناس على البعد عن السرف، أن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت، فالخوف من أن يصبح الإنسان كلما أجاب نفسه إلى واحدة من الطيبات المباحة دعته إلى غيرها فيصير إلى أن لا يمكنه عصيان نفسه من هوى قط، وينسد باب العبادة دونه (القرضاوي، 1995، 41-42) ، وفي المقابل فأن تدنى الاستهلاك، الغذائي خاصة، سواء لأسباب إرادية (بخل – نظام غذائي) ، أو لا إرادية (فقر – عدم وعى استهلاكي) ، قد يصيب الفرد بمشكلات صحية كسوء التغذية أو نقصها، أو مشكلات نفسية كالشعور بالتشبع، والملل، أو الإحباط. ب- اتخاذ قرار شرائي: إن شراء سلعة يعد قراراً يخضع لمتطلبات ومراحل عملية اتخاذ قرار في أي مجال آخر كاختيار مهنة أو إنهاء علاقة، ومع الاعتراف بوجود بعض أوجه الاختلاف في تلك العملية كدالة لطبيعة موضوع القرار، لذا فإن تبصير الفرد، وتدريبه، على اتخاذ قرار شراء سلعة سيساعده، بحكم انتقال أثر التدريب، على اتخاذ القرارات في المجالات الأخرى سواء العملية أو الاجتماعية بصورة أكثر كفاءة، ومن هنا يجب على الأسرة، مثلا، بوصفها إحدى مؤسسات التنشئة الاقتصادية توعية وتدريب أفرادها على كيفية اتخاذ قرار شراء سلعة ما، بصورة يراعى الفرد فيها القيام بالخطوات التالية: - تحديد رغباته واحتياجاته من السلعة المطلوب شراءها فحين يريد ثلاجة، مثلا، عليه أن يحدد العناصر الأساسية المطلوبة من قبيل: المتانة، استهلاك الكهرباء، ملاءمتها للمناخ، السعر، سهولة الصيانة، الحجم، وتصميمها الداخلي، وهكذا. . - الحصول على خبرات شخصية ممن سبق لهم شراءها واستخدامها بالفعل. - جمع البيانات حول النوعيات المتاحة في الأسواق من خلال سؤال الآخرين أولا. - القيام بجولة ميدانية للمقارنة بين الأنواع المتاحة في ضوء الأبعاد السابقة - اتخاذ قرار بالشراء كنتيجة لتلك المقارنة. ج-حقوق المستهلك: يحسن أن يكون الفرد واعيا منذ الصغر بحقوقه كمستهلك، يعرف حدود ما يمكن قبوله، وما لا يمكن القبول بأقل منه، كأن يحرص على معرفة تاريخ إنتاج السلعة، والمنشأ، ومدى صلاحيتها، وأن يعترض على ما يعتقد أن فيه إساءة له كمستهلك بصورة مؤكدة لذاته لا تنطوي على إهانة البائع، وألا يرضخ للضغوط الأدبية التي يمارسها البائع عليه لدفعه إلى شراء سلعة خجلا منه، وأن يكون لديه القدرة على إرجاعها إذا وجدها معيبة، وأن يمارس دورا إيجابيا في تحديد سعر سلعة ما بوصفه كمستهلك، أحد آليات السوق المتحكمة في ذلك السعر، وبطبيعة الحال يمكن أن يشترك مع غيره، إذا تيسر ذلك، في تنظيم جمعيات أهلية لحماية حقوق المستهلك، وثمة واقعة تراثية مفيدة في هذا المقام بطلها سيدنا عمر بن الخطاب حيث قيل له: أن الشيء الفلاني غلا، فقال: أرخصوه، قالوا: وكيف نرخصه ؟ قال: بالترك (أي خفض الطلب)، ويقول توفيق الشاوي في هذا السياق أيضا معليا من دور المستهلك على كافة الأصعدة بما فيها السياسي " بعد أن جردت اتفاقية "الجات " الدول من سلاح الدعم والحماية الجمركية، إلا أنها لا يمكنها تجريد الجماهير من سلاح المقاطعة الشعبية (القرضاوي، 1995، 249) د- التعامل النقدي مع حملات التحريض الاستهلاكي: بما أن كل ما يقال له غاية، لذا يجب على الفرد إن يعمل قدراته الناقدة للوقوف على الغايات التي ترمى إليها حملات الدعاية والتحريض الاستهلاكي، وتقييمها حتى لا ينجرف وراءها، ويتسرع في أتخذ قراره الشرائي بحيث يكون قراره في اختيار سلعة ما ليس راجعا لتأثير الحملات بل لعوامل موضوعية تتعلق بمدى ملاءمتها لاحتياجاته، وتوافقها مع نتيجة معالجاته للبيانات الخاصة بالسلع الأخرى المشابهة (شحاته، 1998) 2- إدارة الدخل سيتمحور اهتمامنا في هذا المقام حول قدرة الفرد على إدارة إنفاق دخله سواء كان مصروفا، أو راتبا، أو منحة، أو إرثا، وهو ما يتطلب تنمية مهارات معينة لديه حتى تكون تلك الإدارة فعالة، ويتمثل أول هذه المهارات في التخطيط، وتحديد الأولويات الانفاقية، وتقليل سقف التوقعات والطموحات الاستهلاكية لتتناسب مع موارد الفرد، وإدارة الموازنة الشخصية حتى يجنب نفسه حدوث عجز فيها. ومن الأمثلة البارزة على دور تلك القدرة في تحقيق التوازن النفسي للفرد أن نمط إعطاء الأسرة المصروف لأفرادها (يومي – أسبوعي – شهري) يحدد قدرته مستقبلا على إدارة أمواله بصورة رشيدة، ومن المتوقع إن تكون العلاقة إيجابية بين المدى الزمني للمصروف والرشد الانفاقى بحيث انه كلما زاد المدى (شهريا) أصبح الفرد أكثر قدرة على التحكم في إنفاقه والعكس صحيح، و يفترض موسن Mussen في هذا الخصوص أن ابن الطبقة الفقيرة الذي يعيش رزق يوم بيوم، لن يهتم بصياغة أهداف تعليمية أو مهنية بعيدة المدى (السيد، 1980، 22) ، وكذلك فإن حجم المصروف الذي تمنحه الأسرة يرتبط أيضا بالرشد الانفاقى فعلى سبيل المثال أشارت بحوث تعاطي المراهقين للمخدرات إن الإفراط في حجم المصروف للابن سيشجعه في حالة ضعف الرقابة الأسرية، ونقص التدين، ووجود أصدقاء سوء، على الانخراط في التعاطي، فلديه ما يكفي وزيادة لتمويل التعاطي.بيد أن هذا لا يحول دون انخراط الفرد في أنشطة تعاطي في حالة الانخفاض الشديد في هذا المصروف حيث إن شعوره بالإحباط نتيجة عجزه عن إشباع حاجاته الأساسية قد يشجع آخرين على استغلال تلك الحالة في دفعه لإتيان أنشطة مخالفة قد تصل إلى ممارسة بعض الفواحش للحصول على مواد يتعاطاها للتغلب المتوهم على ذلك الإحباط.ومن هنا يمكننا القول أن المصروف المناسب في ظل المتابعة الأسرية، التدين، يساعد الفرد على وضع خطط ذات أولويات واضحة لإشباع احتياجاته الأهم، وتأجيل إشباع الأقل أهمية تجنبا لحدوث اختلال في موازنته المالية الشخصية. 3-الوعي بالمفاهيم الاقتصادية إن وضع الجوانب المعرفية في الاعتبار لتفسير السلوك الاجتماعي أسهم بدرجة كبيرة في تطوير علم النفس، وجعله أكثر اقترابا من فهم السلوك بصورة واقعية (strauman,1994) ، وانطلاقا من إن الفكر يسبق السلوك ويوجهه، لذا فإنه من شأن تقديم جرعة معرفية ضافية للفرد حول المفاهيم الاقتصادية المتنوعة أن يسهم في صياغة سلوكه الاقتصادي بصورة ملائمة في الوجهة المرغوبة، ومن بين تلك المفاهيم: الأصول المالية من أسهم وسندات، وأوراق مالية، والمديونية، وحقوق الملكية، والناتج القومي، والنقود السلعية، والائتمانية، والإلكترونية، والبورصة، والمنفعة، والقيمة الحدية، وتعويم العملة، والميزان التجاري، والموازنة العامة، والتضخم، وسلة العملات (الببلاوى، 1999، 34 ؛ عبده، 1974، 39) ، وتتمثل أهمية الوعي بتلك المفاهيم في أن العديد من أوجه الضعف أو الخلل في السلوك الاقتصادي للفرد قد يعزى إما إلى ضآلة وعيه بالمعلومات الاقتصادية، أو فهمها بصورة قاصرة أو منحرفة، فعلى سبيل المثال، إن عدم وعى الفرد بمفاهيم من قبيل اختلال الميزان التجاري بين دولته وبعض الدول الأخرى سيجعله غير متحمس لتشجيع منتجه الوطني، أو تجنب شراء سلع تلك الدول حتى لا يتسع هذا الاختلال، وكذلك فإن وعى الفرد بأن انكماش الطلب على سلعة معينة يقلل سعرها سيجعله يقدم على شراء بدائلها حتى ينخفض سعرها. وإذا كان مدركا إن حصيلة الضرائب والجمارك تمول الإنفاق العام (بناء المدارس والمستشفيات، وتشييد الطرق) فإن هذا الإدراك قد يقلل ميله للتهرب منها. ومن هنا يمكننا القول بأن تزويد الفرد، من خلال مؤسسات التنشئة الاقتصادية، بمعلومات كافية حول المفاهيم، والنظم الاقتصادية الرئيسية من شأنه التأثير إيجابا في تشكيل سلوكه الاقتصادي الرشيد.ولا يفوتنا في هذا المقام الإشارة إلا انه إذا كان ذلك الوعي لازم للمواطن العادي في العالم الغربي فإنه أكثر لزوما للمواطن المسلم نظرا لان بعض الأركان الأساسية في دينه، والذي لن يستقيم إسلامه إلا بالوعي بها وممارستها، هي ذات طبيعة اقتصادية كالزكاة مثلا. 4- تنشيط الادخار والاستثمار الفردي مع وعينا بصعوبة الأوضاع الاقتصادية في أقطارنا الإسلامية، وانخفاض احتمال وجود فوائض مالية لدى عموم الناس فيها إلا أن هذا لا يحول دون حدوث عمليات ادخار بها، حتى لو كانت على مستوى متواضع ماليا (كالادخار النملى) ، ذلك إن الادخار اتجاه عقلي، فالمهم إن تدخر وليس كم تدخر، وحري بالذكر أن هناك أشكال متعددة للادخار الفردي، والجمعي، فالفرد: مثلا، قد يدخر مصروفه في حصالة، أو في وعاء مصرفي آخر، والأسرة قد تدخر في جورب صوف كما كانت تفعل الأسرة الريفية الفرنسية (بن نبي، 1974، 40) وقد يشترك أكثر من فرد للادخار في صورة مجموعة مشتركة بنظام الأقساط الشهرية التي يحصل المشتركون على مجملها تباعا. وعلى أية حالة فإن هذا النمط من الادخار يعد أسلوبا تدريبيا على ضبط الذات، وحسن إدارة الأموال، وتأجيل الرغبات، والتخطيط متوسط المدى، والعمل الجماعي، وإنكار الذات. ومن هذا المنطلق فإن على الأسرة مثلما الهيئات الأخرى، أن تشجع أفرادها على الادخار بطرق شتى حتى على مستوى الطعام، فعلى سبيل المثال، لا داعي لان يأكل الفرد كل نصيبه من كمية الفاكهة الكبيرة التي أحضرها والده حالا، وإنما يدخرها إلى المدى الذي تسمح به طبيعتها، وإن يدخر من فائض مصروفه، أن أمكن، لشراء هدية لصديقه في مناسبة سعيدة، ولامانع من إن تعطيه الأسرة في هذه الحالة مبلغا مماثلا للذي ادخره، أو أن يشترى بأقساط يدفعها من مدخراته سلعة مهمة له (موسوعة مثلا أو جهاز تسجيل) على إن تدفع له الأسرة مقدم السعر تشجيعا له على الادخار، ، وثمة جانب آخر لتلك المسألة قوامه إن الوجه الآخر للادخار هو الاستثمار وقد أصبح من الضروري أن تعتمده الأمة الإسلامية كسلاح لكسب معركة التنمية الذاتية، بدلا من الديون الخارجية المورطة، ومن المفترض أن من يدخر قد يكون من بين المستثمرين، وحتى إن لم يحدث هذا فإنه سينفق ما ادخره، حينئذ، إنفاقا أكثر رشدا، لأنه حصل على ذلك المال بصعوبة، ومن ثم لن ينفقه بسهولة، أما إن استثمر ما ادخره، وكان لديه الرؤية الواضحة، والعقلية الناضجة، فمن المحتمل إن يحسن أوضاعه، وأوضاع مجتمعه.ومن هنا فإن التنمية القائمة على الادخار والاستثمار تعد إستراتيجية ضرورية للاستقلال الوطني (الجمال، 1997). 5-الاتجاه نحو الاقتراض من ألف شيئا اعتاد عليه، ومن هذا المنطلق فإن شيوع الاقتراض في ثقافة معينة، وتبنى اتجاه متسامح، بل ومحبذ، أحيانا، نحوه سيشجع الفرد على الإقدام على إتيانه، وحينئذ سيكون آفة على مستوى الشخص الآن، وفيما بعد، فضلا عن الأسرة والمجتمع العام كذلك، ذلك أن اعتياد الاقتراض من الآخرين سيضعف قدرة الفرد على تأجيل رغباته، أو ترويض نفسه على التخلي عن غير الضروريات مادامت ميزانيته الشخصية لا تسمح، فضلا عن أن الاعتياد على الاقتراض سينتقص من صورته الإيجابية عن نفسه في عيون الآخرين، وكتدريب بسيط لتأكيد تلك القضية يمكن للمقترض إن يضع نفسه موضع المقرض وينظر كيف يرى ذاته، وكيف أنه سينفر من صورة المقترض حينذاك ويتمنى إلا يقف ذلك الموقف ثانية. كذلك فأن الاقتراض سيقلل من مساحة استقلاليته أمام مقرضيه، ولا غرو في هذا، فمن يدفع يحكم، ومن ثم يجب على الأسرة أن تغرس، مبكرا، اتجاها سلبيا نحو الاقتراض في شتى صوره لدى أبنائها، سواء كان اقتراض لعبة من ابن الجيران، أو حاجيات منزلية، اللهم إلا عند الضرورات الشديدة فقط، وحبذا لو كان هذا بمبادرة من الآخرين، لأن هذا الميل للاقتراض سيتفاقم ويستمر لدى الفرد عبر مراحله الارتقائية التالية حيث يستمرئ الاقتراض من الأصدقاء، الزملاء في العمل، وينتهي الأمر بالبنوك، وقد يعجز عن السداد مما يعرضه لإجراءات قانونية قد تودي بمستقبله.ولعل شيوع نماذج لمقترضين كبار من البنوك العامة، وما يواجهونه، أو يسببونه، من مشاكل يعد نهاية المطاف لمقترض صغير مثل الذي نتحدث عنه.وعلينا حتى ندعم هذا التوجه السلبي نحو الاقتراض إن نبرز توجيهات الإسلام الحاضة على تجنبه، والتي تنفر الإنسان المسلم منه، فالرسول عليه الصلاة والسلام، على سبيل المثال، نهانا عن الدين ففي الصحيح أنه " يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين (القرضاوي، 1995، 221) ، ولا ننسى مقولة سيدنا عمر الشهيرة " الحمد لله الذي جعلني مسئولا ولست سائلا " 6-المرونة الإنفاقية تعتبر المرونة من المفاهيم النفسية المفيدة في فهم سلوك الإنسان، وهى تعنى قدرة الفرد على إن يغير من تصوراته وسلوكه في مواقف وظروف معينة كدالة للتغير الحادث في تلك المواقف، مثلما يعدل مرءوس مرن من تصوراته السلبية عن وسلوكه مع المرأة عندما تصبح قائدته امرأة، ومن يفشل في ذلك يسمى متصلبا وهو ما يعسر عليه مهمة التوافق مع الآخرين، والتكيف مع البيئة، وبالتالي سيصبح غير مستقر نفسيا0 وحين ننتقل لمجال الاقتصاد سنجد إن مسألة المرونة الانفاقية تعد عنصرا ضروريا للتوافق النفسي للفرد، ومن شأن تدريبه عليها مبكرا ترسيخها لديه مما يجنبه العديد من الصعوبات الناجمة عن تدنى مقدار ما يحوزه منها، وثمة نماذج وصور عديدة يمكن للأسرة، وهيئات المجتمع الأخرى بواسطتها تنشئة تلك المهارة لدى أفرادها، والمنطق الكامن خلف ذلك أن الفرد القادر على أن يعدل مستوى إنفاقه ليواكب الظروف المحيطة به، سيتمكن من ضبط موازنته المالية، حيث يقلص من إنفاقه حين ينخفض دخله، ويوسع هذا الإنفاق في حالة ارتفاع دخله بصورة متوازنة، أما من يعجز عن خفض نفقاته حين يتضاءل دخله سيقع في ورطة مالية، فإما أن يقترض أو أن يقع فريسة الإحباط الذي قد يولد، بدوره، أدواء أخرى، وثمة صور شائعة في الثقافة لمن يتسمون بالتصلب الانفاقى حيث نجد، على سبيل المثال، العائدين نهائيا من العمل بالخارج يستمرون في الإنفاق بنفس المعدل مما يعجل بتبدد مدخراتهم ووقوعهم في مشكلات مالية وأسرية واجتماعية متعددة، ونجد ذات الظاهرة لدى من يتقاعدون.ومن فضل القول أنه من شأن تحلى هؤلاء بقدر مرتفع من المرونة الانفاقية أن ييسر عليهم التكيف مع هذه الأوضاع، ومن ثم يجنبهم تلك المشكلات، وفي المقابل فإن من يتحسن دخله، ويستمر على الوضع السابق، نظرا لتصلبه الانفاقى، سيثير حفيظة أسرته، ويكبح طموحاتهم المشروعة التي تتدرج تحت مقولة أن الله يحب أن يرى نعمته على عباده، وهى أوضاع غير مرغوب فيها أيضا، وبناء عليه فنحن في حاجة لتدريب الفرد في إطار الأسرة، أولا، على ممارسة هذا التوازن المرن بين دخله وظروفه الراهنة في ظل الحرص، بنفس القدر، على الادخار والإنفاق الرشيد. 7- التعبير عن المشاعر الدينية والقومية اقتصاديا يتميز الإنسان بقدرته على التعبير عن مشاعره و آرائه بكافة الوسائل المتاحة، والممكنة، والتي يضع حدودها قدراته الإبداعية والتزاماته الأخلاقية، ومن بين تلك الوسائل العناصر الاقتصادية، حيث يمكن للفرد التعبير عن رضاه على أوضاع معينة كأداء ابن في اختبار بمكافأته ماليا، وكذلك يستطيع إن يعبر عن سخطه وتذمره من دولة بعينها اقتصاديا كأن يقاطع منتجاتها كما حدث في أوج الانتفاضة الفلسطينية حين عبرت الجماهير العربية عن استيائها من الموقف الأمريكي المتحيز لإسرائيل بمقاطعة منتجاتها، وهو تعبير يتسم بالنضج، ويتوقع إن يصبح أكثر تأثيرا إذا استخدم بصورة أكثر حكمة.وفي هذا الإطار فإننا نتوقع إن يتم التركيز في تنشئة الفرد المسلم على الارتقاء بتلك المهارة فالتعبير الاقتصادي عن الموقف الأخلاقي أو الاجتماعي أو السياسي تعبير بليغ*، فعلى سبيل المثال، يحسن بالأسرة. أن تعود الفرد على ذلك من خلال بيانات عملية متنوعة من قبيل حث الأبناء عقب صلاة الجمعة على تقديم تبرع في صندوق التبرعات لحساب هيئة قومية أو قضية إسلامية كإغاثة ضحايا كارثة وطنية أو مناصرة شعب مضطهد على أرضه كالشعب الفلسطيني، أو إرسال شحنة ملابس شخصية لملجأ أيتام، أو التبرع بالدم للأطفال المصابين بالسرطان، أو تشجيع الطفل على اقتطاع جزء من مصروفه لدعم الجمعيات المعنية بأمورهم. وحري بالذكر أنه يمكن تشجيع الفرد بواسطة تلك الممارسات الاقتصادية على أن يجعل المال وسيلة للتعبير عن و الارتقاء بخاصية اعتبار الآخر Role- taking واستشعار آماله وآلامه، والفهم العميق لمشاعر الآخرين وظروفهم ومحاولة تقديم العون لهم لتقليل تلك الآثار الفسيولوجية غير السارة الناجمة عن التأثر بما يعانونه من بؤس ومشقة (smith,1998,680)، وهو ما ينمى لدى الفرد روح العطاء، والسخاء، وحري بالإشارة إلى أن المولى سبحانه وتعالى ضرب لنا أمثلة عديدة على ذلك، فهو يطالبنا بالصيام لينمو لدينا القدرة على استشعار جوع الفقير وشعوره الخانق بالحرمان، ويأمر الغنى منا بالزكاة لإظهار التعاطف مع ذوى الحاجات، فضلا عن إشعاره بحلاوة العطاء، فليس منا، كما يقول الرسول الكريم، من بات شبعان وجاره طاو "، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم وحري بالإشارة أن التراث النفسي المعاصر يكشف عن أن مسيرة الارتقاء الإنساني تختزلها المعادلة القطبية التي يبدأ قطبها الأول من عند التمركز حول الذات و ينتهي قطبها الثاني عند اعتبار الآخرين، فالطفل يبدأ متمركزاً حول ذاته لا يرى إلا نفسه، ويتوقع أن الآخرين يرون فقط ما يراه، فطالما هو شبعان فلماذا إذن يأكل الآخرون، أما حين يجوع فيجب أن يتوقف الجميع عن أعمالهم حتى يفرغ من طعامه، بيد أنه حين يصعد سلم الارتقاء يميل شيئا فشيئا إلى أن يراعى مشاعر الآخرين بنفس قدر مراعاته مشاعره، أو يزيد، فإذا كان سعيدا فقد يكون الآخر حزينا لذا عليه عدم الإفراط في التعبير عن مشاعره السعيدة تلك مراعاة للآخر، وهكذا... " ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن اهتمام علماء النفس الغربيين قد بزغ حديثا بذلك الجانب، الذي سبق للإسلام العناية به منذ بدء الرسالة، والذي يندرج تحت مسمى دراسة السلوك الاجتماعي البناء Pro-social behavior، وثمة حادثة شهيرة أثارت ذلك الاهتمام تلك التي كانت ضحيتها كيتي جينوفيز kitty genovese حيث اعتدى عليها أحد اللصوص في ساعات الصباح الباكر يوم 13 مارس عام 1964 على مرأى ومسمع من 38 من جيرانها في الحديقة المواجهة لمسكنها، وقام بقتلها، واستغرقت تلك العملية أكثر من نصف ساعة، ولم يقم أحد منهم بمساعدتها، أو حتى باستدعاء الشرطة تليفونياً، حيث اعتقد كل منهم أن جاره فعل ذلك (Baron & Byrne,2000; 497;Batson,1998) وهو ما دفع الباحثين وهيئات المجتمع المتعددة في أمريكا إلى ضرورة الاهتمام بدراسة ظواهر من قبيل الإيثار، والتعاطف، والعون حتى يتسنى لهم العمل على شيوعها في المجتمع الغربي على أساس أن انحسارها يهدد استمراره. 8-الاتجاه نحو المال والثروة إن الاتجاه Attitude نحو المال إذا كان إيجابيا سيشجع الفرد على الإكثار منه، و السعي الحثيث للحصول عليه بكل وسيلة، أما إن كان سلبيا سيحثه على النفور منه وتجنب حيازته، وبطبيعة الحال فإنه يخشى في ظل تبنى اتجاه يتسم بالحب الشديد للمال كالذي يصوره القرآن بقوله:" وتحبون المال حبا جما ". سورة الفجر – 21، أن يتحول المسلم إلى جامع ومكتنز للمال، وهو ما لا نرغبه، فالمال وسيلة لتحصيل حاجات أساسية، وغايات نفسية وشرعية، وفي المقابل فإن كراهية المال وتجنبه ستدفع به نحو أطراف وجهات أخرى تسيطر عليه، ومن ثم علينا، وبذا تضيع دنيانا، ومن بعدها، بالتبعية، ديننا، وبناء على ذلك فنحن في حاجة لأن ننمى لدى أبناء المسلمين اتجاها متوازنا نحو المال قوامه أنه مشروع في ذاته، ومن ثم فلا حرج في السعي إليه بحقه، وضوابطه الشرعية اكتسابا وإنفاقا وحفظا، وفي هذا الصدد يقول الرسول عليه الصلاة والسلام " 00 لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم ابلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم " الترمذي (العاني، 1998، 199) ، وأنه يمكن توظيفه لخدمة وحماية الدين، والارتقاء بالحياة على المستوى الخدمي والإنساني، وتعد الأوقاف، والهبات، والتبرعات دليلا قاطعا على ذلك، فضلا عن كونه أداة للتوازن السياسي، والارتقاء الشخصي والاجتماعي من منطلق إن المال يعد جزء مقوما لوجود الإنسان، وقوة مضافة تسهم في تكوين شخصيته وتعظيم نفوذه الاجتماعي (اتاى، 1988) ، ولكن يجب أن يكون واضحا للفرد، وهو ما يسعى الإسلام لإقراره، أنه وسيلة، وعلى الفرد أن يضعه تحت تصرفه لتحقيق الغايات الإسلامية الإنسانية، وهو ما يلفت سبحانه وتعالى نظرنا إليه بقولـه: " والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" سورة المعارج – 23 (نفس المرجع السابق). ثانيا: آليات عملية التنشئة الاقتصادية عرضنا فيما سبق لأبعاد عملية التنشئة الاقتصادية، والجوانب التي يجب التركيز عليها لتنشئة الفرد المسلم تنشئة اقتصادية تيسر له تحصيل، والتدريب على، قدر مناسب من الخبرات والمهارات الملائمة في هذا المجال على نحو يدعم جوانب شخصيته الأخرى ليصبح فردا متكاملا قادرا على نفع نفسه، والارتقاء بأمته فالأمة المتميزة هي محصلة أفراد متميزين. بيد أن ثمة سؤال محوري يثور في أذهاننا في هذا المقام قوامه: كيف نبلغ هذا الهدف، أو بلغة أخرى، ما هي الآليات والإجراءات التي ستمكننا من تحقيق هذا الهدف في الواقع ؟ إجابة عن هذا السؤال نود الإشارة إلى أن العلماء في سعيهم لمواجهة، وحل، المشكلات التي يعانى منها المجتمع فإنهم يوجهون الأسئلة، ويجمعون الوقائع، ويختبرونها، يدفعهم إلي ذلك رغبة قوية في أن يكونوا نافعين لمجتمعهم، وقادرين على اكتشاف مناطق جديدة من المعرفة المفيدة لأثرائه (cooper & emoy,1995,30-31) ، واتساقا مع هذا التصور فإن من معالم التقدم في علم النفس المعاصر أنه أصبح علماً تطبيقيا يرفع شعار نحن نعلم لنعمل بما نعلمه، ويتطلب هذا تبنيه إستراتيجية تعتمد على قدرته على تحويل أفكاره، وما يتبناه من مقولات وآراء، إلى مجموعة من الإجراءات العملية التي يلزم عن إتباعها تحقيق وتحويل تلك الأفكار إلى واقع معاش يستفيد منه طالبوا الخدمات النفسية.ووفقا لهذا التصور فإننا نفترض وجود عدد من الآليات التي تلجأ إليها الهيئات والمؤسسات القائمة على التنشئة الاقتصادية لتتمكن بواسطتها من إنجاز هذه العملية بقدر مرتفع من الكفاءة وتتمثل هذه الآليات فيما يلي : آليات التنشئة الاقتصادية هناك عددا من الآليات التي تعتمد عليها المؤسسات الاجتماعية المتنوعة للقيام بعملية التنشئة الاقتصادية لأفراد المجتمع والتي تتمثل في 1- تعديل البنية المعرفية من المعروف أن أفكار الناس توجه سلوكهم، ومن ثم فإن المعارف الموجودة في ذهن الفرد حول الجوانب الاقتصادية إن كانت ذات طابع سلبي من قبيل اعتقاده أن المال وجد لينفق فإنها ستدفع به في اتجاه الإسراف ومن ثم ستنعدم مدخراته، أو أن القيمة الاجتماعية للفرد تتحدد وفقا لقدراته المالية، وبذا نخاله يعامل الفقراء بصورة غير لائقة، أو أن المال والإسلام لا يجتمعان فلا يهتم بمراعاة الأحكام الإسلامية المتعلقة بالمال وهكذا... وفي المقابل فإن تلك المعارف أن كانت إيجابية ستطبع سلوك الفرد في تلك الجوانب بذلك الطابع فإذا نظرا للمال، على سبيل المثال، بوصفه وسيلة للتقرب إلى الله، ستزداد قائمة تبرعاته للهيئات الخيرية، وإذا اعتقد إن الاقتصاد يؤثر في مكانة أمته الإسلامية بين الأمم سيعمل على تحسين موقف أمته الاقتصادي. وتبعا لهذا الطرح فإنه بمقدور الأسرة أو غيرها من مؤسسات التنشئة إن تعمل على فحص، ومن ثم تعديل، البنية المعرفية للفرد حول الجوانب الاقتصادية لاستبقاء الإيجابي منها، واستبعاد وتغيير السلبي كأن تستبعد مقولة إن المال لا وطن له، وتضع بدلاً منها مقولة قوامها أن المال يجب أن ينمى الوطن الإسلامي، وبذا يجب عودة الأموال المهاجرة، وبدلا من مقولة أن السلعة الأجود فقط هي التي اشتريها بغض النظر عن جنسية صاحبها، ترفع شعار اشترى سلعة من إنتاج بني جلدتك تنقذ فرداً من العطالة، أو اشترى سلعة من الخارج تغلق بيتا في وطنك. 2-الاقتداء الاقتداء Modeling نوعان - واقعي overt وبموجبه يلاحظ الفرد نموذجاً فعلياً يؤدى سلوكا معينا ويسعى إلى الاقتداء به. - متخيل Covert. وفيه يتخيل الفرد سلوك القدوة ثم يسعى لممارسته (Kazdin, 1980). ويفترض العلماء أن تأثير رؤية الآخرين، أو تخيلهم، يمارسون سلوكا معينا يصبح كبيرا وخاصة إذا كانوا هؤلاء من ذوى الأهمية، والمقام المرموق لدى الفرد، وممن يوثق بهم، ويحترم شخصهم.ومن ثم فإنه نظرا لكثافة التفاعل في أقطارنا بين الأفراد بعضهم البعض فمن المتوقع أن يستخدم أسلوب الاقتداء بالنماذج الإيجابية المحيطة، حين يمارسون سلوكيات ذات طابع اقتصادي، في عملية التنشئة الاقتصادية على نطاق واسع، فنحن نرتدي ملابس وطنية حين نرى زعماء الأمة، أو كبار أفراد العائلة، أو الأصدقاء يرتدونها، ويدخر الأطفال حين يروا لدى أقرانهم حصالات أو دفاتر توفير، ولا تلقى ربة الأسرة بقايا الخبز في سلة المهملات حين ترى جارتها تقطع رغيف الخبز إلى أربع قطع حتى يأخذ الفرد إلا احتياجاته منه فقط، وبذا لا يتبقى فضلات لالقائها في تلك السلة، وهكذا. .. ويمكن بالطبع إن تمتد تلك الدائرة الاقتدائية إلى كافة القطاعات فحين يغلق بطل المسلسل أنوار حجرته حين الخروج منها فهذا يشجع الأفراد العاديين على الاقتصاد في استهلاك الكهرباء، وهكذا الحال مع صنبور المياه، وبنفس المنطق سيتعامل التلاميذ بصورة رشيدة مع الأدوات المدرسية اقتداء بالمدرس، والعمال في المصانع تأسياً بالمشرف. 3-التدريب الذاتي الموجه يعرف التدريب الذاتي الموجه Self-directed learning بأنه العملية التي يأخذ فيها الأفراد المبادرة في تشخيص حاجاتهم، وتحديد أهدافهم التعليمية، والتعرف على الموارد البشرية، والمادية المتاحة للتعلم، واختيار وتبنى الاستراتيجيات التعليمية المناسبة، وتقييم نواتجها.(Guglielmino & Murdick, 1997) ، وتعد هذه الآلية من بين الطرق المتبعة لتنمية وتدريب الأفراد على سلوك معين من خلال حثهم على ممارسته في الواقع، ولكن تحت إشراف وتوجيه مصدر خبير حتى يقوم بتوعية الأفراد بالممارسات السلبية، وتبصيرهم بأضرارها أثناء قيامهم بالسلوك المرغوب، ومن ثم يستبعدونها، وبذا يبقى السلوك المرغوب فيه فقط، وكنموذج تطبيقي في مجال التنشئة الاقتصادية يمكن أن تشجع الأسرة، مثلا، الأبناء على اتخاذ قرار شرائي بأنفسهم في المتجر مع تقديم المشورة غير الملزمة، ثم تقوم بعد ذلك بمراجعتهم، وبيان عدم الصواب في هذا القرار بعد اتخاذه، من قبيل توضيح أنهم اهتموا بسعر السلعة دون متانتها، أو بشكلها دون ملاءمتها للمرحلة العمرية للفرد أو احتياجاته، و هكذا... أو السماح للفرد بإنفاق مصروفه كما يشاء في فترة معينة، ثم يوضحون له بعد ذلك مواطن الخطأ التي وقع فيها من قبيل إنفاقه جل المصروف الشهري في الأسبوع الأول من الشهر فقط، واضطراره للاستمرار بقية الشهر في حالة كمون إنفاقي حتى يأتي مصروف الشهر القادم، وهو تصرف غير مأمون العواقب فالأيام حبلى بالمفاجآت، ومن ثم تدعوه لعدم الوقوع في نفس هذا الخطأ مرة تالية. 4- المماثلة يعرف علماء البلاغة المماثلة Analogy بأنها " القدرة على عقد مقارنات بين الأشياء على أساس أنه إذا كان هناك شيئان يشبهان بعضهما من بعض الوجوه، فإن القضية التي تصدق على أحدهما تصدق على الآخر (Meassell,1976) وتعد تلك المهارة أحد أشكال الاستدلال التمثيلي وتكمن أهميتها في أنها تعمل على امتداد معرفتنا بالأشياء من خلال ربط ما نفهمه بما لم نفهمه بعد، بوصفها وسيلة لنقل المعرفة من مجال معروف إلى مجال غير معروف (Small.1990,403) ، وتتمثل أهميتها وفقا لهذا التصور في أنه يمكن بمقتضاها للفرد أن يفهم نظام أو يحل مشكلة في مجال ما من خلال مضاهاتها بنظام مشابه تم حل مشكلة مماثلة فيه، كمن يفهم العلاقة المتوترة بين رجل وزوجته إذا شبهها بالعلاقة بين القاطرة والقطار، أو كما فعل الإخوة "رأيت" حين ضاهوا بين طيران الطائر وطيران طائرتيهما، ومن هنا يمكن القول بأنه في مقدورنا تدريب الأفراد على، وتنشئتهم اقتصاديا باستخدام ذات الأسلوب كأن نعلم الفرد الادخار من خلال المضاهاة مع النمل، أو مع نموذج تاريخي، سيدنا يوسف مثلا، أو نعلمه الاستهلاك الرشيد مثلما الجمعية العمومية للبنوك حيث تقتطع نسب من العوائد لتغطية الاحتياطات المستقبلية، وندربه على حسن إدارة الوقت والجهد بأسلوب" جبلبرت وتايلور" في تحليل الزمن والحركة.ومن هنا يمكننا القول بأن تدريب الفرد بتلك الآلية كفيل بتزويده بطرق إضافية لجعل سلوكه الاقتصادي أكثر كفاءة. 5-التحليل الناقد لسلوك الآخرين يتضمن التفكير الناقد مهارات متعددة منها تحليل والتعرف على المتغيرات المسئولة عن حدوث مشكلة أو موقف معين وتقدير الأوزان النسبية لإسهام كل منها فيها، وتحديد طبيعة العلاقات بين المتغيرات أيها سبب أو نتيجة، والوعي بالثغرات والفجوات في المعرفة المطروحة، والاهتمام بتعريف المفاهيم المستخدمة بصورة دقيقة، والتوصل إلى استخلاصات، واستنتاجات من البيانات المقدمة للفرد، واستخدام محكات عقلانية لاتخاذ قرارات والقراءة المتأنية الثاقبة، وتقبل وفحص الأفكار المخالفة. (Halpern,1996,188-189) ، وبناء على هذا التعريف للتفكير الناقد وطبيعة ما يتضمنه من مهارات فإنه يمكن توظيفها في القيام بعملية التنشئة الاقتصادية من زوايا عديدة منها تبصير الأفراد موضع التنشئة بأوجه النقد سواء لسلوكهم أو سلوك نماذج محيطة تتسم بالإسراف والإفراط الاستهلاكي، وبيان العواقب السلبية بدنيا ونفسيا من جراء ذلك كالبدانة أو الحاجة للاقتراض حتى يتجنبون التورط في مثل هذه الأنماط، وكذلك بيان أوجه قصور وضعف النماذج التي تقبع على القطب الآخر – التقتير وكيف أنها تعانى من الحرمان وتتشوه صورتها أمام الآخرين، يضاف إلى ذلك تدريبهم على تقييم القرارات الادخارية والاستثمارية لهم، وللآخرين، والحكم على مدى كفاءتها كجزء من خطة لتنمية قدرتهم على اتخاذ قرارات رشيدة في تلك المجالات، فضلا عن حثهم على تحليل وفهم الظواهر الاقتصادية الحادثة في المجتمع، ومحاولة توظيف هذا الفهم على صعيد تحسين الموقف المالي للفرد، أو تلافي الأضرار الناجمة عن تلك الظواهر من قبيل تجنب استثمار أمواله في مجال العقارات في ظل وجود ظاهرة انخفاض السيولة النقدية، أو زيادة المعروض من العقار في الأسواق. 6-المباريات الحجاجية أن الموقف الذي يتبناه الفرد حيال مسألة ما يعتمد على وجهات نظر وقناعاه فكرية معينة، وبما أن الآخر قد يتخذ مواقف قد تكون مختلفة إزاء نفس المسألة ؛ لذا من المتوقع أن ينخرط الأفراد في عمليات حجاجية حولها قد تنتهي إما بدحض أفكار طرف، أو الاقتناع بأفكار الطرف الآخر، أو تمسك كل طرف بما لديه، ويمكن توظيف هذه المهارات الحجاجية توظيفا إيجابيا لإثراء عملية التنشئة الاقتصادية بصور متنوعة منها، على سبيل المثال، تبنى الفرد أو تخليه عن نمط معين من الادخار (شراء سندات بدلا من وضع وديعة في بنك) كنتيجة لتعرضه لعمليات محاجة من هذا القبيل، ويمكن أيضا توظيف تلك المهارة في تعديل النمط الاستهلاكي للفرد، (تجنب تناول الوجبات السريعة في المطاعم والاقتصار على الطعام المنزلي قدر المستطاع) أو الحد من اقتناء المزيد من السلع الرأسمالية الإضافية (سيارة فارهة – أجهزة منزلية معمرة) الرامية للإمتاع الشخصي طالما أنها غير ضرورية، والتي قد يعزى اقتنائها إلى أسباب نفسيه أو اجتماعية من قبيل سعى أبناء الطبقة العليا إلى البحث عن نماذج راقية من الاستهلاك إما بدافع التقليد للنمط الغربي أو لبحثهم عن وسائل تميزهم وتظهرهم اجتماعيا على من دونهم من طبقات (يسرى، 1972، 11) 7- الجزاء الاجتماعي والذاتي أن السلوك الذي يدعم يميل للتكرار أما الذي يعاقب فإن معدل صدوره سينخفض – هذا قانون نفسي أصبح ذائعا، وحين نسعى إلى تطبيق منطوق في سباقنا، فلنا أن نتوقع إن ممارسة مؤسسات التنشئة الاقتصادية بالمجتمع، أو الفرد ذاته، لأساليب التدعيم أو العقاب المتاحة سواء إيجابية أو سلبية من شأنه تشجيع سلوكيات معينة على الاستمرار، واستبعاد أخرى.ولكن قبيل أن نعرض لكيفية حدوث ذلك حري بنا تعريف أنواع التدعيم والعقاب الشائعة في الثقافة النفسية بصورة إجرائية، والتي تتمثل فيما يلي - التدعيم الإيجابي Positive reinforcement. وبموجبه يكافئ المجتمع من يلتزم بقوانينه، ونظمه، ويقترب من النموذج المعياري الذي يحدد ما يجب أن يكون عليه سلوك أفراده، وذلك من خلال أساليب مادية تتمثل في تقديم امتيازات عينية أو منخلال أساليب معنوية من قبيل مدح الفرد أو منحه مكافأة رمزية كشهادة تقدير.ويجب ألا يغيب عن أذهاننا في هذا المقام أن العديد من المعايير (كرم الضيافة) التي توجه سلوكنا نشأت وترسخت من خلال سلوكيات صدرت وكوفئت مرارا إما مباشرة أو حين شاهدنا مكافأة من يصدرها (Cialdini & Trost,1998) . - التدعيم السلبي: ويعنى إيقاف المنبهات المؤلمة التي يتعرض لها الفرد، واستبعادها بهدف تعليمه إصدار السلوك المرغوب مثل: إعفاء طفل من العقاب حين يصدق القول لتعليمه سلوك الصدق. - عقاب إيجابي Positive Punishment: أي إعطاء منبه سؤلم للفرد يتمثل في إنزال أحد أشكال الأذى البدني أو المعنوي به حين يأتي سلوكا غير مرغوب (Rector & Emeritus, 1982) . - عقاب سلبي: وفيه يتم وقف تقديم الإثابة أو المكافأة التي اعتاد عليها الفرد بهدف خفض تكرار حدوث السلوك غير المرغوب مثل إن يحرم أحد الوالدين الطفل من مصروفه الخاص، أو منع الفرد من الاشتراك في أنشطة جماعية معينة كلعب الكرة مع أقرانه حين يأتي سلوكاً غير مرغوب0 وبطبيعة الحال يمكن للمؤسسة أو للفرد ذاته الاستعانة بتلك الأساليب التدعيمية والعقابية لتثبيت سلوك معين أو إخماده، فعلى سبيل المثال تستطيع الأسرة ممارسة العقاب السلبي للابن الذي تكتشف انه استدان من أصدقائه مبلغا من المال من خلال حجب بعض المزايا عنه من قبيل امتناع والده، مثلا، عن توصيله بالسيارة للمدرسة لمدة يوم أو يومين، ومن الممكن إن يمارس الفرد العقاب السلبي على نفسه إذا شعر بندمه على ارتكاب هذا السلوك بأن يحرم نفسه من الخروج في نهاية الأسبوع مع أصدقائه، ولا ننسى إن بعض العارفين كان يتصدق بقدر من المال كلما شعر انه ارتكب ذنبا معينا كوسيلة لمساعدته على التوقف عن إتيانه فيما بعد. ويمكن للأسرة كذلك إن تمارس التدعيم السلبي بمعنى رفع عقوبة أو استبعاد وضع غير مريح عن أحد أفرادها حين يأتي سلوكا مرغوبا كأن يعتذر لأخيه عن استيلائه على الحلوى الخاصة به، التي كان يحتفظ بها في الثلاجة، دون استئذانه وذلك برفع عقوبة الحرمان من الخروج عنه، ويمكنها أيضا تدعيمه إيجابيا، بمدحه، حين يقدم معلومات اقتصادية مفيدة لبقية أفراد الأسرة وهم يتناقشون على مائدة الطعام. 8- تحليل المنافع والأضرار إن اتخاذ قرار يجب أن يتم في ضوء عملية موازنة في عقل متخذه بين ما يترتب عليه من منافع، وما ينجم عنه من أضرار، ومن شأن هذه العملية أن تجعل الفرد أكثر ترويا، وثقة من قراره، بيد أنها تحتاج إلى دربة، وخبرة، حتى تتم بصورة واقعية ومنطقية، وبالتالي تصبح فعالة، وهو ما يمكن تدريب الفرد عليه بشكل متدرج منذ الصغر، فعلى سبيل المثال، حين يريد الطفل شراء لعبة نوضح له المنافع المترتبة على شرائها من قبيل أنها ستسليه، وتجذب الأصدقاء إليه، وتزين حجرته، وفي المقابل نكشف له عن المضار المتوقعة أيضا، فهي غالية الثمن مما يستنزف مدخراته، وقد تفسد بسرعة ويصعب إصلاحها، ونترك له في ضوء ذلك أن يتخذ قرارا بشرائها أم لا. أما الشخص الأكبر الذي يريد أن يقرر هل يشترى بمدخراته قطعة ارض أم يضعها في صورة أسهم في مؤسسة مالية فعليه أيضا أن يمارس تلك العملية حيث يضع في قائمة الإيجابيات العناصر الرئيسية المشجعة على اتخاذ قرار بالبديل الأول والثاني مقابل سلبيات كل منهما، وبذا يستطيع اتخاذ قراره بصورة أفضل، وبطبيعة الحال هناك صور أخرى متعددة تجسد الممارسة الحكيمة لتلك العملية سواء في مجال الاستهلاك السلعي أو الترفيهي أو الاستثماري. وبعد حاولنا في هذه الورقة تقديم إطار تصوري ذات طبيعة أولية لدراسة الأبعاد النفسية للتنشئة الاقتصادية كأحد محاور عملية التنشئة الاجتماعية التي تهدف إلى تنمية وصياغة شخصية فعالة متوافقة مع المعايير الإسلامية، بيد أنه تبقى بعض النقاط الواجب بيانها حتى تكتمل تلك المحاولة وتصبح قادرة على التجسد في الواقع لتحقيق هذا الهدف السامي وتتمثل تلك النقاط في 1-نحن بحاجة إلى: وضع هذا التصور النظري موضع التحقيق الواقعي في الميدان بمعنى ضرورة دراسة عملية التنشئة الاقتصادية في الأسرة، أو المؤسسات الاجتماعية الأخرى، في المجتمعات الإسلامية للوقوف على طبيعة الممارسات الموجودة فيها وطبيعة أوجه الشبه والاختلاف بينها حتى نتمكن من إن نخط مبيانا للطابع المتفرد لكل منها فضلا عن جوانب الاتفاق فيما بينها في تلك العملية. 2- بما أن للإسلام تصوراته حول أهداف عملية التنشئة الاقتصادية لأبنائه وسبل القيام بها وحيث إن تلك العملية تتم في الواقع بصورة معينة قد تتطابق بدرجة أكبر أو أقل مع الصيغة الإسلامية المفترضة؛ لذا علينا رصد وتحديد تلك الفجوة بين الواقع النفسي الاجتماعي لعملية التنشئة الاقتصادية في المجتمعات الإسلامية، وبين المأمول وفق التصور الإسلامي لهذه التنشئة، وهو ما يشكل في حد ذاته نقطة البداية لعمليات جسر تلك الفجوة ومن ثم الإسهام في الارتقاء بعملية صياغة الشخصية المسلمة المأمولة. 3- من شأن الوقوف على طبيعة العوامل المسئولة عن الفجوة بين النموذج الإسلامي للتنشئة الاقتصادية للشخصية المسلمة، وبين الواقع والممارسات الفعلية لتلك التنشئة – الشروع في محاولة تصميم برامج تدريبية للأسرة والهيئات الأخرى المسلمة تشمل أفضل السبل لتوضيح المفاهيم المطلوب بثها، والمعارف الواجب تزويد الأفراد بها، والآليات التي يجب استخدامها للقيام بتلك العملية بكفاءة، ويمكن في حالة تصميم تلك البرامج وفقا للمعاير والقواعد العملية المتعارف عليها إن تقدم لشرائح اجتماعية متنوعة، وخاصة أرباب الأسر والمقبلين على الزواج، حتى يسهل عليهم الاسترشاد بها في عمليات التنشئة الاقتصادية الأسرية اللاحقة وفق المعايير الإسلامية. 4-تصميم وتنفيذ بحوث ميدانيه عبر المجتمعات الإسلامية تعنى بالجوانب المتعددة للأسس النفسية لعملية التنشئة الاقتصادية، على أساس إمكانية التوصل إلى أبعاد أكثر اتساعا، وعمقا من تلك التي طرحناها سلفا في إطارنا التصوري الراهن فضلا عن محاولة دراسة دور بعض المتغيرات النفسية الاجتماعية في تشكيل طبيعة تلك العملية من قبيل مستوى تعليم الوالدين، ومدى وعيهما الديني، وتوافقهما الزواجي، وتماسكهما الأسري، وطبيعة التفاعل بين أفراد الأسرة، ومعدل التعرض لمثل تلك النوعية من المعلومات في وسائل الإعلام، ومدى الاتساق بين مؤسسات التنشئة المختلفة ودوره تحديد فعالية تلك العملية، فضلا عن ماهية المعايير المستخدمة للحكم على تقييم مدى نجاح عملية التنشئة الاقتصادية للشخصية المسلمة. 5- إلقاء المزيد من الضوء على عمليات التنشئة الفرعية الأخرى في الأسر والهيئات الأخرى في المجتمعات الإسلامية أو على رأسها عملية التنشئة المعرفية والتي يمكن بموجبها تنمية العقلية الناقدة والمستدلة، والمبدعة لأبناء الأمة الإسلامية تلك العقلية القادرة على فهم مبادئ دينها، ومقاصده، فضلا عن معطيات واقعها ومتغيراته والمزاوجة بينها، وصياغة، وابتكار، سبل متجددة ومتفردة للتعامل الفعال مع السياقات المحيطة بها، والمتفاعلة معها، وكذلك يجب الاهتمام بعملية التنشئة الوجدانية والتي يسهل بموجبها على الفرد التحكم في انفعالاته، ومشاعره، بصورة تجعلها تابعة لأفكاره وعقله، وليس العكس، بوصف ذلك من مقومات الحكمة التي يجب إن تتصف بها الشخصية المسلمة، وهناك أيضا التنشئة البيئية والتي يمكن للمسلم بمقتضاها إن يتعامل تعاملا ساميا مع مفردات البيئة الطبيعية على نحو يصونها، ويحول دون تلويثه إياها، حتى يصل إلى نقطة التناغم النفسي إلا يكولوجى، واعتقد أنه مطلب إسلامي جوهري وخاصة في الحقبة الراهنة. و أخيرا فقد حاولت، قدر استطاعتي، الإدلاء بدلوي في هذا الموضوع البحثي البكر، وتقديم تصور مبدئي لوضعه موضع التنفيذ، مسترشدا بالخبرات التراثية للأمة، فضلا عن الجهود العملية التخصصية المستندة إلى المنهج والواقع بالإضافة إلى تصوراتي الشخصية وآمل أن ينشط فئة من الباحثين المتميزين في إجراء بحوث علمية لفحص ذلك الموضوع الخصب، والمفيد، والحصول على بيانات واقعية للتحقق منه، و إثراء معلوماتنا حوله حتى يتسنى لنا توظيفها لخدمه مواطنينا، بوصف ذلك خطوة في الاتجاه الصحيح لاستعادة مجد حضارتنا التليد، وبناء مستقبل أمتنا الذي نأمل أن يكون على قدر عظمة تاريخها. المراجع 1- آتاى، حسين (1988) النظام الأخلاقي في السياسة المالية في الدولة الإسلامية، المسلم المعاصر، العدد 51-52، 69-105. 2- الببلاوى، حازم (1999) دور الدولة في الاقتصاد، القاهرة: دار الشروق. 3- بن نبي، مالك (1974)، المسلم في عالم الاقتصاد، بيروت: دار الشروق. 4- الجمال، مجدي مصطفي (1997)، المشاركة الشعبية في التنمية: في شكر، عبد الغفار (محرر). الجمعيات الأهلية وأزمة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية في مصر ، مركز البحوث العربية 31-51. 5- رضوان، شعبان (1993) ، التنشئة الاجتماعية: في درويش ، زين العابدين واخرون ، علم النفس الاجتماعي: أ سسه و تطبيقاته ، القاهرة: مطابع زمزم 67-87. 6- السيد، عبد الحليم محمود (1980) ، الأسرة وإبداع الأبناء ، القاهرة: دار المعارف. 7- شحاته، عبد المنعم (1998)، بعض محددات السلوك الاستهلاكي علم النفس ، 46، 122، 134. 8- العانى ، نزار (1998)، الشخصية الإنسانية في التراث الإسلامي ، عمان: المعهد العالي للفكر الإسلامي. 9- عبده، عيسى (1974)، الاقتصاد الإسلامي: مدخل و منهاج، القاهرة: دار الاعتصام. 10- عبود ، عبد الغنى (1992)، التربية الاقتصادية في الإسلام، القاهرة: دار النهضة المصرية. 11- العوضى، رفعت (1987) فقه الاقتصاد الإسلامي و طبيعة التشريع فيه، حوليه كلية الشريعة و الدراسات الإسلامية، جامعة قطر، العدد الخامس 279-304. 12- العويضة، سلطان (2001)، العلاقة بين أساليب التنشئة الوالديه و بعض سمات الشخصية و التوافق لدى عينة من تلاميذ المرحلة الابتدائية، مجلة علم النفس المعاصر والعلوم الإنسانية ، المجلد الثاني عشر، يوليو، 187-223. 13- الغزالى، عبد الحميد (1988)، الإنسان أساس المنهج الإسلامي في التنمية الاقتصادية، القاهرة:مركز الاقتصاد الإسلامي بالمصرف الإسلامي الدولي للاستثمار و التنمية. 14- القرضاوي، يوسف (1995)، دور القيم و الأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، القاهرة: مكتبة وهبه. 15- نعيمة، محمد (2002)، التنشئة الاجتماعية و سمات الشخصية، الإسكندرية: دار الثقافة العلمية. 16- يسرى، عبد الرحمن (1972)، تحليل اثر العوامل الاجتماعية على التنمية الاقتصادية، الإسكندرية: دار الجامعات المصرية. 17- Baron , R.A.& Byrne, Q.(2000) Social Psychology (9ed), Boston :Allyn and Bacon. 18- Batson: C.D(1998) Al truism and Prosocial behavior:in Gilbert ,D.T ; Fiske , S.t. & Lindzey, G. The handbook of social psychology (4 ed), Boston : The mcgrow-Hill co,232-316. 19- Cialdini, R B.,& trost, M (1998) Social influence: in Gilbert, D.T.; Fiske , S.T & lindzey, G.The handbook of social psychology (4ed) , Boston : The mcgrow-Hill co, 151-192. 20- Cooper, D.R.,& Emory C.w (1995) Business research methods, (5ed) Chicago : Irwin. 21- Guglielmino, P: J., & Murdick , R.g (1997) self – directed learning: The quiet revolution in corporate training and development, SAM Advanced Management journal, Summer,10-18. 22- Halpern, D.F(1996) Thinking critically about critical thinking , New jersey : Lawrence Erlbaum pub. 23- Kazdin, H.e (1980) covert and overt rehearsal and elaboration during treatment in the development of assertive behavior, Behave. Res & therapy, 18,191-201. 24- Measell,j,s (1976) development of the concept of analogy in Rhetorical theory, in Blankenship, j& stelzner, H.G (Eds), Rhetoric and communication , Chicago: University of Illinois Press , 34-45. 25- Rector, M.G., (1982) “ prisons and Crime “, Crime & delinquency, October , 505-507. 26- Small, M,y (1990) cognitive development , New York: Harcourt,. Brace Jovanovich, rub. 27- Smith, B.D (1998) psychology: Science & under standing, Boston : Mcgraw – Hill, co. 28- Stewart, D.M (1992) handbook of Management skills (2ed) : Gower publishing , co. 29- Strauman, T,j (1994) introduction – social cognition , psychodynamic psychology , and the representation and processing of emotionally significant information , journal of personality, 62: 40 December , 451-458.

تعليقات

التنقل السريع