اهلا بك هذه مجلة moussiac.com مجلة إلكترونية متميزة بفكرتها

ملف حول ظاهرة الجفاف

 

من المعروف علميًا أن الجفاف، هو ظاهرة طبيعية تحدث نتيجة وجود عجز في الموارد المائية، يصيب نطاق جغرافي محدد لفترة زمنية عينة، وذلك بالطبع مقارنة بمتوسط كمية المياه، التي كانت متوفرة في ذات البقعة خلال الفترات السابقة، وينتج عن ذلك حدوث مشكلة في تواجد المياه الكافية للكائنات الحية، التي تقطن في تلك المنطقة وفي مقدمتها بالطبع الإنسان.

بداية ظهور الجفاف في المغرب

وكذلك من المعروف علميًا وجغرافيًا أن المملكة المغربية من المناطق المطيرة، أي التي يتساقط عليها الأمطار في الشتاء بكثافة مناسبة للحياة الطبيعية بها، إلا أن تلك الحالة لا تستمر على نفس المنوال في بعض الأحيان، إذ يعاني المغرب من آن لآخر من عدم هطول الأمطار بالدرجة الكافية أو قد يكون الأمر أسوأ فلا تتساقط نهائيًا خلال إحدى السنوات، ومن هنا بدأت ظاهرة الجفاف في التواجد داخل الأراضي المغربية، خاصة في عدد من المناطق الشرقية والجنوبية بالمملكة، تلك المناطق التي بدأت تعاني في السنوات الأخيرة من انتشار ظاهرة الجفاف بها، بسبب أن الموارد المائية تنخفض بها نتيجة عدم تساقط الأمطار الموسمية في بعض السنوات إلى ما بين 82 و97% عن معدلها الطبيعي، ولقد نتج عن هذا الجفاف انتشار ظاهرة التصحر، بسبب نضوب عدد كبير من الآبار والعيون، التي كانت منتشرة في تلك المناطق، ولقد أثر هذا الجفاف ليس فقط على الآبار والعيون الجوفية، بل حتى على الموارد المائية السطحية، وبالأخص في الأودية بتلك النواحي، والتي قد تراجعت موارد المياه بشكل ملحوظ.

الإنتاج الفلاحي بالمغرب يدفع ثمن الجفاف! 

ولقد أدى تغول ظاهرة الجفاف وما نتج عنها من تصحر في بعض المناطق بالمملكة المغربية، إلى حدوث تداعيات سلبية وخطيرة على الإنتاج الفلاحي (الزراعي) بالمغرب، ولم يكن هذا بالطبع بسبب الجفاف بمفرده، بل انضمت إليه عوامل أخرى أدت إلى تفاقم المشكلة، ومن بينها العولمة، والتي أدت إلى عزوف الشباب عن مهنة الفلاحة، وبحثهم عن مهن حديثة تواكب عصر العولمة، كما أن النمو الديمجرافي للمجتمع المغربي، ساهم هو الآخر في تفاقم تلك الأزمة، ولقد أدت تلك العوامل مجتمعة، بالإضافة إلى عوامل أخرى، إلى حدوث تراجع مستمر في الإنتاج الفلاحي بالمملكة، كماً وكيفاً، وتعد منطقة سوس ماسة، واحدة من أكثر الجهات تضررًا من تلك الظاهرة في المغرب، وتفاقمت المشكلة أكثر بسبب سوء الاستهلاك، من قبل المواطنين، وهو ما جعل بعض مناطق المملكة، مثل منطقة الكردان، تعاني من حاجة شديدة إلى المياه، كما أن سد عبد المومن، قد كفّ عن استمرار دوره في تغذية المناطق السقوية، التي تقع بالقرب منه، وذلك بالطبع أثر في الحصيلة الزراعية (الإنتاج الفلاحي) بها.

السدود تعجز عن تغذية الأراضي الزراعية بالمياه 

ولقد تم إجراء عدد من الدراسات الميدانية والإحصائية المتخصصة حول ظاهرة الجفاف، والتي وصلت إلى حد الشح المائي في عدد من المناطق بالمملكة المغربية، والتي كشفت النقاب عن أن معدل المياه الجوفية في منطقة سوس ماسة، قد تراجع بنسبة كبيرة جدًا، كما أن مساهمة السدود في عمليات الري والفلاحة بتلك المنطقة، قد انخفض بنسبة 32% خلال الفترة من عام 1997 إلى عام 2000، مقارنة بالفترة من عام 1945 وحتى عام 2000، أما ما بعد عام 2000 فالواقع أصبح أسوأ بكثير، حتى أن مناطق أخرى بالمملكة لا تجد ما يكفيها من المياه لكي يسقي الفلاحون بها أراضيهم، فمثلًا في تادلا أزيلال، والتي تشتهر بأنها من أكثر مناطق المملكة إنتاجًا زراعيًا، تشير المؤشرات إلى أن الفلاحين بها، لن يستطيعوا سوى سقي نسبة الثلث من أراضيهم، أما الثلثين الباقيين فقد يصيبهما التصحر، وذلك يرجع بالطبع إلى تراجع مخزون المياه بالسدود، وذلك بنسبة عجز تتراوح ما بين 25 و45%، ولقد أدى هذا التراجع في مياه السدود إلى إجبار الفلاحين على التقشف في استخدام المياه في ري محاصيلهم، وهو ما أدى بدوره إلى انخفاض الإنتاج الفلاحي لديهم، ويهدد المخزون الاستراتيجي للملكة من عدد كبير من المحاصيل الزراعية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن هناك مناطق أخرى لم تجد حتى مياه الشرب، وهو ما حدث في منطقة بني ملال، والتي عاني أهلها من الانقطاعات المتكررة في مياه الشرب، نتيجة الجفاف الذي يشهده المغرب، والذي تسبب في عدم قدرة الجهات المعنية على توصيل مياه الشروب إلى عدد كبير من المنازل بتلك المنطقة، كما تسبب ذلك بالطبع في توقف عدد من الأنشطة الحياتية والمهن التي تعتمد على المياه في عملها بشكل أساسي، مثل المقاهي ومحلات غسل السيارات، والحمامات.

توزيع خريطة المياه في المملكة المغربية

الجدير بالذكر أن متوسط كمية مياه الأمطار في المملكة المغربية يبلغ 340 ملم سنويًا، منها ما يعادل 500 إلى 800 ملم في المنطقة الشمالية الغربية، أما المنطقة الوسطى فنصيبها يتراوح ما بين 200 و500 ملم، بينما يسقط على المنطقة الصحراوية من 40 إلى 200 ملم سنويًا، وبالطبع هذه الكمية هي متوسط تقريبي، كما أنها لا تنهمر بنفس القوة خلال فترات السنة المختلفة، كما أن هناك أعومًا تكون كما ذكرنا في الأسطر السابقة شبه جافة، كما أن تلك التهاطلات من المطر تتناقص كلما اتجهنا من المناطق الشمالية للبلاد إلى الجهات الجنوبية للمملكة، وبالإضافة إلى الأمطار فإن المغرب يشهد سقوط كمية من الثلوج، والتي تتساقط على المرتفعات في المملكة، وتتراوح كمياتها ما بين 1000 إلى 1500م، أما بالنسبة إلى الموارد المائية السطحية بالمغرب، فتبلغ نحو 23 مليار ملم3، تتوزع على عدد كبير من الأنهار صغيرة الحجم والمجرى، بالإضافة إلى تلك الأودية الضيقة، التي تشتهر بها بعض المناطق المغربية، ومن المعروف أن أكثر المناطق استحواذًا على هذه المسطحات المائية، هي أحواض منطقة الأطلسي، إذ أنها تحتوي وحدها على ما يعادل 16.482مليار م3 من الـ 23 مليار، أي أنها تحصد بمفردها ما يقترب من 71% من إجمالي المسطحات المائية بالمغرب، ويأتي في المرتبة الثانية، أحواض منطقة البحر المتوسط، بنسبة 14%، أي ما يعادل 3.231 مليار م3، بينما الـ 15% المتبقية من المسطحات المائية بالمملكة المغربية، فتتوزع على الأحواض الشرقية وجنوب الأطلس والأحواض الصحراوية.

مصادر المياه الأخرى في المملكة المغربية

ليست هذه بالطبع هي كل ما يزخر به المغرب من المياه، ولكن هناك نسبة غير قليلة من المياه الجوفية، والتي تخزنت خلال القرون والسنوات الماضية، وكشفتها العديد من الدراسات الجغرافية، وقدرتها بنحو 10 مليار م3، ولكن للأسف لا تستفيد المملكة من كل تلك الكمية، إذ أن ما يعادل 2.5مليار م3 من تلك المياه الجوفية، تخسره المملكة خلال عمليات التبخر، وكذلك نتيجة الصرف في مياه البحر المتوسط، وأيضا في الوديان، ولا يستفيد المغرب من ذلك الخزون إلا بما يعادل 5 مليارات م3 سنويًا، موزعة على 2.5 مليار م3 يتم استهلاكها في تلبية الاحتياجات المائية المختلفة، بالإضافة إلى 3.01 مليار م3 يتم سحبها من تلك الخزانات الجوفية لصالح الاستخدمات المتعددة، ثم بعد ذلك يأتي الحديث عن الموارد المائية الأخرى، والتي تتدخل الدولة في انتاجها، وفي مقدمتها بالطبع محطات تحلية المياه، والتي تستخدمها المملكة في توفير من خلالها 12 ألف م3 يوميًا، ويبلغ عددها 6 محطات، تفوق سعتها 500 م3 يوميًا، وتسعى المملكة إلى زيادة عددها خلال الفترة القادمة، وكذلك رفع كفاءتها وسعتها اليومية، لكي تواجه تلك الزيادة السكانية الكبيرة، إذ يتجاوز عدد السكان في المغرب أكثر من 30 مليون نسمة، وسط معدل كبير في المواليد خلال السنوات الماضية، مع انخفاض في نسبة الوفيات نتيجة الرعاية الصحية الفائقة، وهو ما أدى إلى ارتفاع متوسط العمر للمواطن المغربي.