ملف حول الهند أوجه متعددة للتنمية

  

لا يمكن لأحد أن يتخيل أن الهند التي تعد الآن من القوى الاقتصادية الصاعدة في العالم كله، قد نالت استقلالها منذ وقت ليس ببعيد، فلقد ظلت الهند تحت الاحتلال البريطاني (بوصفها إحدى مستعمرات المملكة المتحدة) حتى استقلت في عام 1947 أي منذ 60 عامًا فقط تقريبًا، ولكنها خلال تلك السنوات شهدت نموًا سريعًا في العديد من المجالات، جعلها نموذجًا للتنمية، ولكنها للأسف تنمية منقوصة، فما زالت بعض مظاهر التخلف سائدة في الهند حتى الآن لتشوه ملامج النهضة التنموية التي تعيشها. مظاهر التنمية ونمو الفلاحة في الهند: كانت من بين أهم الأسباب التي دفعت بريطانيا للاستماتة على عدم التخلي عن الهند من بين مستعمراتها، هو أنها بلد زراعي به أرض خصبة تصلح لزراعة العديد من الحاصلات ذات الأهمية الاستراتيجية العالمية، ومن هذه النقطة انطلقت عملية التنمية الزراعية بالهند بعد الاستقلال، فقد عرف الإنتاج الفلاحي في الهند تطورًا كبيرًا، خلال العقود التالية للاستقلال، هو ما جعلها واحدة من بين أهم الدول في العالم التي تنتج عدد مميز من المزروعات المشهورة في العالم، وفي مقدمتها الحبوب (أهمها القمح والذرة والأرز)، بالإضافة إلى المزرعات الصناعية (أهمها الشاي والسكر والقصب والبن والقطن)، وكذلك الخضر والفواكه (مثل البطاطس والحوامض)، وعلى تلك النهضة في قطاع الفلاحة بالهند نما إنتاج الهند من أنواع قطعان الماشية المختلفة، مثل الأبقار والأغنام التي تصدرها الهند إلى عدد كبير من دول العالم، بالإضافة إلى قطعان الخنازير التي تشتهر الهند من بين الدول المربية لها. ولقد أدى هذا النمو في قطاع الفلاحة في الهند إلى وصولها درجة كبيرة من التنمية ويكفي أنها قد نجحت في ضمان الأمن الغذائي لشعبها ضخم العدد والذي يعد ثاني أكبر تجمع سكاني بالعالم، ولم تكتفي بذلك بل إنها تقوم بتصدير فائض الإنتاج الفلاحي بها لعدد غير قليل من الدول المجاورة لها بل والبعيدة عنها، كما أن الفلاحة الهندية تحتل المرتبة الرابعة في تعداد الدول الزراعية بالعالم، كما أنها توفر فرص عمل لنصف الأيدي العاملة في تلك البلاد، كما أن الزراعة بالهند تساهم كذلك في توفير أكثر من خمس الناتج الداخلي للبلاد من المواد الخام اللازمة لدوران عجلة الصناعة بالبلاد.  

عوامل التنمية ونمو الفلاحة في الهند: 

 بعد 20 عامًا تقريبا من استقلال الهند عن بريطانيا العظمى، وتحديدًا في عام 1967، قامت الهند بالإعلان عن انطلاق "الثورة الخضراء" في البلاد، والتي تضمنت في طياتها إدخال أنواع جديدة من البذور تتناسب مع طبيعة المناخ في البلاد بل وفي أي بلد آخر، فهي تتميز بقدرتها على مقاومة الجفاف والتقلبات المناخية، بالإضافة إلى أنها تعطي إنتاجًا عاليًا من المحاصيل، كما تتضمن ملامح تلك الثورة الخضراء استخدام أحدث الآلات والأسمدة، بالإضافة إلى تطوير مشاريع الري بالبلاد، ليتكامل كل ذلك في إحداث تلك النهضة الزراعية التي شهدتها الهند، وأدت إلى أنها قد حققت الإكتفاء الذاتي، خاصة في محاصيل الحبوب والأقطان، بل وتصدير فائض الإنتاج الفلاحي لديها للبلدان المجاورة ثم لجميع أنحاء العالم، وهو ما انعكس بالتبعية على مستوى عيش الفلاحين الهنود، كما أن طبيعة التضاريس في الهند كان لها أكبر الأثر في النمو الفلاحي بالبلاد، إذ أن القسم الأكبر من مساحتها يتكون من السهول والهضاب، مثل السهل الهندي الغانجي، وكذلك السهول الساحلية الشرقية والغربية بالإضافة إلى هضبة الدكن، فضلًا عن أن المناخ بالهند يتميز بكونه مداري موسمي على معظم أنحاء البلاد، مما يؤدي إلى ارتفاع معدل الرطوبة بها، كما أن الله قد حبا الهند بشبكة من الأنهار الكبرى، مثل نهر الغانج ونهر الهندوس، بالإضافة إلى نهر كودافيري.

مظاهر النمو والتنمية الصناعية في الهند:

لم تعتمد الهند على الفلاحة فقط لكي تنهض باقتصادها، بل إنها اتخذت من التنمية الصناعية قاكرة أخرى للنهضة الهندية ولذلك فإنها قد شهدت تطورًا صناعيًا كبيرًا، تزامنت مع نمو الفلاحة بالبلاد عقب الاستقلال، ولقد أدت الاندماج ما بين النمو الصناعي والزراعي بالهند، إلى أنها قد أصبحت - بعد سنوات قليلة قياسًا بغيرها من البلاد التي مرت بنفس ظروفها - إحدى القوى الاقتصادية الصاعدة في العالم، حتى أنها تحتل المرتبة الرابعة بين بلدان العالم الصناعية بالنسبة للناتج الداخلي للمواد الخام الداخلة في الصناعة، ولقد تنوعت القطاعات التي شملتها النهضة الصناعية في الهند، فشملت الصلب والأدوية والسيارات والنسيج، بالإضافة إلى الصناعات التكنولوجية والتي اشتهرت بها الهند في السنوات الأخيرة، وتنتشر المراكز الصناعية في عدد من المدن الكبرى بالبلاد، منها نيو دلهي وكلكوتا وبنكالور وبومباي ومدراس وأحمد آباد.  

 عوامل النمو والتنمية الصناعية في الهند: 

عندما قررت الهند إطلاق النهضة الصناعية بالبلاد، والتي بدأتها في منتصف القرن العشرين، فإنها دعمت ذلك من خلال قيامها بإنشاء شركات صناعية كبرى تابعة للدولة (القطاع العام)، ثم بعد ذلك بعدة سنوات قامت الحكومة الهندية بإرساء قواعد مشاركة القطاع الخاص (الوطني) في التنمية الصناعية بالبلاد، والذي استجاب لذلك بالفعل وشارك بقوة في الاستثمار الصناعي، ودعم ذلك وجود سياسة اقتصادية ليبرالية بالهند، كما قامت السلطات بإنشاء عدد كبير من المناطق الصناعية في المدن الكبرى، وهو ما أدى إلى استقطاب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية وضخها في الاقتصاد الهندي، ولقد ساعد في نجاح لتجربة الصناعية الهندية أنها تمتلك ثروة ضخمة جدًا من المواد الخام الأولية ذات الأهمية الكبرى في المجال الصناعي، وهي متنوعة فتشمل المواد الأولية النباتية والحيوانية وكذلك المعدنية، بالإضافة إلى وجود وفرة بالبلاد من الفحم الحجري، الذي ساهم في سد احتياج القطاعات الصناعية المختلفة من الطاقة، كما أن الهند نجحت في تحويل الزيادة السكانية من نقمة إلى نعمة، فلأنها تمتلك ثاني أكبر تجمع سكاني بالعالم، أصبح لديها وفرة في الأيدي العاملة رخيصة التكلفة (الأجور)، بالإضافة إلى سوق استهلاكية ضخمة.

مظاهر الثورة التكنولوجية في الهند: 

كما ذكرنا في الأسطر السابقة، فإن التنمية الصناعية في الهند قد شملت عدة قطاعات ومن بينها قطاع تكنولوجيا الاتصال، والذي شهد نموًا سريعًا جدًا وقفزات سنوية كبيرة في كل عام، حتى أن الهند تصنف ضمن أكبر الدولة التي تنمو بها الصناعات الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات والأقمار الاصطناعية، ولم تكتفي الهند بالاستفادة من الصناعات التكنولوجيا في سد الاحتياجات المحلية بها لتطوير التنمية الصناعية في القطاعات المختلفة بالبلاد، بل إنها تقوم بتصدير تلك المنتجات التكنولوجية إلى عدد كبير من الدول في جوانب الكرة الأرضية الأربعة، فمنتجات الاتصالات الهندية تغزو حاليًا أسواق أمريكا الشمالية، ودول الاتحاد الأوروبي (أوروبا الغربية)، بالإضافة إلى بلدان أمريكا اللاتينية، وكذلك دول جنوب شرق آسيا، وتوجد المراكز الصناعية التكنولوجية الهندية في مدينة بنكالور، والتي تلقب بأنها "سليكون فالي" الهندية، بالإضافة إلى عدد آخر من المدن الصناعية الكبرى بالبلاد.  

عوامل الثورة التكنولوجية في الهند:

لم تكن الثورة التكنولوجية في الهند وليدة الصدفة أو نهضة عشوائية، بل إن القطاعات الصناعية المختلفة في البلاد وفي مقدمتها بالطبع صناعة تكنولوجيا الاتصال، قد استفادت بشدة من ذلك الدعم الذي تقدمه الدولة للعلم والتعليم، والذي يتمثل في إنشاء المعاهد والجامعات، ودعم المنشآت التعليمية والعلمية الخاصة، وكذلك قيامها بتأسيس إدارة تكنولوجيا الإعلام، بالإضافة إلى تدشين الهند لعدد من المناطق التكنولوجية والصناعية، كما أن من أهم العوامل التي تجذب المستثمرين للاستثمار بالهند في مجال التكنولوجيا أنها يزخر بلتقنيين والمهندسين الهنود ذوي الكفاءة والتدريب العالي، وفي نفس الوقت أن أجورهم أقل من أقرانهم في البلدان الأخرى، بالإضافة إلى قدرتهم الفائقة على تنفيذ البرامج والمشروعات مهما كان حجمها في وقت قياسي وإنهائها بدقة وسرعة.


Add Your Comments

Disqus Comments