/ / في سبيل نقد فكرة المقدس الموروث

في سبيل نقد فكرة المقدس الموروث


تقتضي الضرورة دائما أن يعمل التفكير العلمي على إزالة الشوائب في كثير من موضع كلما تعلق الأمر بنقد الفكرة الأم القائمة على أساس استهجان العلم. ففي سبيل السخرية أشير في أكثر من مرة إلى أنه ولظروف ما زلت غامضة يدعي هذا البلد الذي نحن في حضرته القيام على أسس دينية إسلامية محضة. غير أنه لا يمل ولا يكل في استعراض جوانبه المدنسة. إننا هنا ونحن واقفون على مدى تشخيص مرض الفكرة الأم. يجب على الكثير من الفئة التي تنتقد بالاستناد إلى أساس علمي منطقي، إحلال نزعة عقلانية ناقدة مقارنة.  

في سبيل نقد العقلية الغابرة

 إنه وإن تم القيام على أسس إسلامية دينية فذلك يجب أن يتم على ركائز معاصرة، ليس على تفسيرات غابرة تم قصها من بقعة تاريخية ماضية.
 إن الدول الإسلامية اليوم مطالبة بإعادة النظر في ديمقراطياتها المزعومة. إنها لامحالة مطالبة بنقد عقلها الصغير المستهلك دون المنتج.
إن الإسلام يجب أن يعمل على مواكبة بنية العصر لا أن يعمل على تأخير المجتمع بدعوى أن القيام والنهضة يكمن في نصوص فسرت في أكثر من مناسبة لأهواء سلطانية أو لأغراض سياسية.
إن الأنساق السوسيو-ثقافية تجاوزت الإملاءات الدينية لعدة اعتبارات، أهمها الجمود الفكري للنص الديني-الإسلامي.
الإسلامي والمسلم والإسلام ليس التصرف وفق أهواء شخصية تم نقلها عن ظهر قلب من شيخ غابر لمريدين صغار.
وليس لنتحدث عن انفعالات عاطفية لا تولد سوى الندم، إنه اليوم وأكثر من ذي قبل يحتاج للإقرار بوجهين علميين؛ الأول مقارن والأخر نقدي. 
بمعنى مقارنة التطورات التي تلاحق العصر، ثم العمل على نقدها نقدا بنائيا، ليس ليتميز عن إصدار أحكاما جاهلية من باب إحلال القتل والفتك. 
إنه وكما ذكر المفكر فرحات عثمان، في موضع كتابه "في تجديد العروة الوثقى"؛ أن روح الإسلام يتجلى في الثورة على الخرافة 1 وليس نبذ الأخر من منطق اختلافه عن الفكرة الأم. وكما أشار في معرض القول أن الإسلام بريء من ما يلحقه من باب الدفاع عنه بغرض ترسيخ منطق الوجودية في الفكر ونبد الاختلاف. ولمزيد من التأكيد فقد أضاف الدكتور؛ فرحات عثمان؛ أن تجاوز تعاليم الإسلام ليس من شأنه أن يضر بسلطان أو ذي جاه بقدر ما هي مسألة تتعلق بالخالق والمخلوق، وأمر عصيان البشر للبشر فهو معمول به منذ أزل، فذلك يتجلى على أساس تأكيد حرية الإنسان وضرورة تجريم كل ما من شأنه أن يقيدها. 
إننا هنا لسنا لنطلق أحكام قيمة تجعل من هذه الأفكار منزلا لشوائب العلم. بقدر ما نحاول في أكثر من معرض أن ندحض الفكرة الرئيسية التي تقدس المنطق العامل به في مشرق العرب، والذي ما نفتأ حتى يصلنا صداه بدون مناسبة تقريبا. 
إن المشكل الأهم والواجب على ثلة العلم استعراضه هو التوعية بمدى مرض الفكرة الرئيسية دون وعي منها، أو بوعي منها ومحاولة الحفاظ على الوضع فهي ليست في موضع يسمح لها بالترفع عن منطق الإنسانية. وحتى إن تميزت الفترة الحالية بسيادة مصالح شخصية وبينية في كثير من الأحيان. متجاهلين كل من يحاول التعرض لمشاكل العامة أو تحديات الضمير الجمعي، فإنه سيحين يوم يعمل فيه على استبعاد كل تعاملات التي من شأنها ان تبرز مظهرا من مظاهر الهوية الإسلامية. 
إن الهوية الحقيقية للإسلام يستوجب أن تقوم على ركائز علمية عقلانية، دونما الاكتفاء بالتغني بعصور غابرة. إنها اليوم مطالبَة بتفسيرات تلائم ما تحاول دائما أن تقحم به نفسها في الساحة السياسية. 
إننا هنا لسنا لعزل ما تعيشه الساحة الإسلامية من أزمة، كما أننا لسنا لنشخص الأزمة من أجل الأزمة. ففي عديد من المحاولات تم ذلك. إننا هنا سنقوم بعرض تشخيصات للأزمة لنوفر ولو قليلا من موقعنا كمهتمين بالظاهرة الإسلامية؛ المادة الخام لقيام بحوث مستقبلية تعالج الأزمة القائمة. 
إن الساحة السياسية اليوم تشن هجمات واسعة حول الهوية الإسلامية سواء بمباركة الدول الإسلامية نفسها أو مبادرات فردية غير واعية إطلاقا. أو حتى من الطرف الثالث في الساحة. 
بدورها بقيت المجالات الإسلامية فارغة المحتوى وحتى المعنى من أي رد اعتباري للهوية الإسلامية. هنا ليس المشكل في مدى التوعية بخطورة الوضع، إنما أساسا يرتكز في المحاولات اليائسة لإرضاء الأخر على حساب المقومات الداخلية. 
إنه ومن أجل الحصول على مجتمع عال الأخلاق _في درجة أولى _ يجب أن تتم مقاربة شمولية وجدرية لكل الأسس والنماذج المتعارف عليها. هذا بالاستناد لمنطق العقل الأنواري الما بعد حداثي؛ فهو الوسيلة الوحيدة والكفيلة بإشباع متطلبات الحياة القائمة. 
إحلال العقل الثاقب مكان الآخر المفكر، فخاصية المجتمعات الجنوبية هي أنها دئما تنتظر الأخر ليفكر محلها، دون مراعاة للخصوصية الثقافية واللغوية والدينية للمجتمع. 
إن العقل النقدي الثاقب هو الحل، والعقل النقدي هنا لا أقصد به المعنى الحرفي والعربي لكلمة نقد؛ الذي يعني تمييز الصواب من الخطأ. فبهذه الفعلة نكون أمام خطأ علمي جسيم. فالمصطلح العلمي دائما يحتاج لربطه بسياقه الفكري والتاريخي، الذي يجعل منه حمولة علمية قوية. 
إن العقل النقدي في هذا السياق وفي محاولة منا لربط هذه الكتابة بمجال السوسيولوجيا، فإننا نعني به. العقل الذي يستطيع خلق الأزمة في الأنظمة الفكرية والعامة المتعارف عليها، مع ضرورة الإتيان بــ بارديغمات أو طرق تفكير جديدة تلائم العصر. 
إن الإنفتاح العولمي هو الذي يحتم ما أشرنا إليه سابقا، هذا إن كنا فعلا نحاول الحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع.

إننا عندما نرتكز على الإشارة بكثرة للهوية الإسلامية في معرض هذه الكتابة، فهذا لا يعني أننا نحاول قبر أو تجاهل أو حتى تجاوز المكونات الدينية للمغرب الإفريقي. بما فيها المسيحية واليهودية أو حتى المكونات اللآدينية... أبدا. 

وإنما ذلك لأن الهــوية الإسلامية هي التي صرح في أكثر من مناسبة أنها الوحيدة التي تحاول الوقوف في وجه تحديات العولمة دون محاولة منها للاستفادة من إيجابياتها الكثيرة. وهذا بدوره ليس ليعني أن العولمة تستثني في صراعها مع الأديان المكونات الأخرى للدين.

1 كتاب 'العروة الوثقى': تأليف ذ فرحات عثمان. ص9
الموضوع السابق :إنتقل إلى الموضوع السابق
الموضوع التالي :إنتقل إلى الموضوع القادم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما رأيك بالموضوع الذي قرأته للتو