اهلا بك هذه مجلة moussiac.com مجلة إلكترونية متميزة بفكرتها

ملف حول الثورة العلمية والتكنولوجية

لم يكن باقيًا على نهاية القرن التاسع عشر سوى سنوات قليلة، عندما بدأ العالم يشهد أولى ملامح تلك النهضة العلمية التكنولوجية، والتي امتدت للسنوات الأولى من القرن العشرين، قبل أن تتحول من مجرد نهضة إلى ثورة علمية وتكنولوجية لم يكن أحد يتخيل أن تصل لما وصلت إليه في تلك المدة القصيرة، كما أنها شملت كل نواحي الحياة، وليس قطاعاً واحدًا، خاصة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.

مظاهر الثورة العلمية والتكنولوجية

 بالتأكيد لم تظهر تلك الثورة العلمية والتكنولوجية بشكل مفاجيء، بل كانت امتدادًا طبيعيًا للنهضة العلمية التي سبقتها بسنوات، والتي كانت هي الأخرى النتيجة الطبيعية للثورة الصناعية التي شهدتها أوروبا قبل بسنوات، ومن أهم مظاهر تلك الـثورة العلمية والتكنولوجية، التي انطلقت في بدايات القرن العشرين:

1 – تطور علوم الرياضيات:

 لم يكن علم الرياضيات أحد العلوم الحديثة التي ظهرت في زمننا المعاصر، بل إنها من تلك العلوم القديمة التي توارثناها عن أجدادنا والحضارات القديمة، ولقد كان أول ظهور لعلم الرياضيات كعلم نظري في زمن الحضارة اليونانية القديمة، والذي تم وضع أسسه الأولى في هذا ذلك العصر على أساس أنه يمثل المعرفة اليقينية، أما علم الهندسة فقد ظل محتفظًا بالشكل التقليدي الذي تم وضعه على يد العالم اليوناني الشهير "إقليدس"، واستمرت على هذا الحال حتى منتصف القرن التاسع عشر، عندما بدأ العلماء في نقد "الهندسة الإقليديسية" معلنين أنه قد آن الآوان لإنشاء مدرسة جديدة تغير وجه علم الهندسة وهو ما تحقق بالفعل عندما تم بناء نظريات جديدة، كانت بداية تدشين "الهندسة اللاإقليدية"، والتي تم بنائها على أن العلوم الرياضية يجب أن تقوم على الافتراضيات العلمية، وليس على الحقائق اليقينية، وأن إثبات صحة أو خطأ تلك الفرضيات هي ما تسفر عنه الأبحاث والدراسات الرياضية بعد ذلك، ومع تحرر الرياضيات من جمودها العلمي، ساهم ذلك في حدوث تطورات وثورات في علوم أخرى.

2 – تطور علم الفيزياء:

 عندما وضع العالم الفيزيائي الشهير نيوتن قانون "الجاذبية الكونية"، دخل علم الفيزياء إلى مرحلة الجمود هو الآخر، وأصبح قائمًا على عدد من القوانين الحتمية، التي لا يجرؤ أي عالم مهما كان أن ينتقدها أو حتى يقترب منها، وكيف يحق لعالم أن يعترض بعدقال قال نيوتن أن "الكون في مجمله هو عبارة عن آلة كبرى، وأن جميع أجزاء هذا الكون تخضع لقوانين حتمية يجب الاستمرار فيها، وإلا اختل الثبات الكوني"، واستمر هذا الجمود الفكري والعلمي في الفيزياء ممتدًا لعدة سنوات، حتى تجرأ اثنين من كبار العلماء في زمنهم على انتقاد ذلك الجمود والثبات في النظريات الفيزيائية، بما في ذلك نظريات مدرسة نيوتن الحتمية، وهذان العلمان هما أينشتين وبلانك، فأما الأول فبدأ انتقاداته من خلال توصله إلى ثبات سرعة الضوء عند 300 ألف كيلومتر في الثانية، وبنى على ذلك نظريته الشهيرة "النسبية"، والتي قال فيها أنه بما أن سرعة الضوء ثابتة فإن الزمان والمكان ليسا ثابتين أو مطلقين هما أيضًا، بل هما في الحقيقة تابعين للسرعة، ويمكن الانتقال فيهما إلى جميع الاتجاهات، وهذا بالطبع هدم جزء من نظريات نيوتن للثبات الكوني، والتي تقر بأن الزمان والمكان مطلقان وعامان، أما بالنسبة لبلانك فقد توصل إلى نظريته الشهيرة "الكوانطا"، وكان ذلك في عام 1900 وتحلل تلك النظرية وجود وانعدام الطاقة في الكون، فهو يؤكد من خلالها إلى أن جميع الأجسام في الكون إما أنه يصدر عنها طاقة بشكل أو بآخر، أو أنها تمتص الطاقة الصادرة من أجسام أخرى أو متواجدة في البيئة حولها، وأن تلك الطاقة يمكن قياسها على شكل مقادير منفصلة، وهي ما أطلق عليها "الكوانطا"، وبالطبع هدمت تلك النظرية أحد أعمدة نظريات نيوتن للثبات الكوني، ومن مدرستي "أينشتين وبلانك" انطلقت عشرات النظريات التي تعارض ثوابت نيوتن، وإن كانت بالطبع لم تهدم كل ما فيها، فما زالت هناك قوانين وضعها نيوتن معترف بها وثابتة بشكل علمي.

3 – تطور علم البيولوجيا (علم الحياة):

لا يمكن أن ينكر أحد أن عالم النباتات النمساوي الشهير "منديل" هو الأب الروحي لعلم البيولوجيا أو علم الحياة، وذلك عندما وضع أول توثيق علمي لما يطلق عليه "قوانين الوراثة"، وكان ذلك في عام 1865م، ومن خلال تلك القوانين المندلية عرفنا أن الصفات الوراثية تنتقل من الآباء إلى الأبناء وفق قواعد محددة وليست عشوائية، وجاء عالم النبات الدنماركي الشهير "يوهانس" ليستفيض في شرح وتحليل قوانين مندل، وأطلق على الصفات الوراثية اسم "الجينات الوراثية"، ومن مدرسة مندل ويوهانس ظهرت عشرات المدارس العلمية في مجال علم البيولوجيا، حتى أنها أحدثت طفرات وثورة في هذا المجال، فقد عكف العلماء في القرن التاسع عشر على دراسة وتحليل التركيب الداخلي لأنسجة تلك الجينات، ومن تلك الدراسات والتحليلات ظهرت فروع داخل علم البيولوجيا منها ما تم إطلاق عليه اسم "البيولوجيا الخلوية"، وهو ذلك الفرع من علوم الحياة الذي يعتبر أن الخلية (أية خلية في الكائن الحي) هي الوحدة الأساسية لتكوينه، ومع اختراع المجهر الإلكتروني (الميكروسكوب الإلكتروني) في منتصف القرن العشرين، توصل العلماء إلى اكتشاف الحمض النووي DNA، وتوصلوا إلى الدور الهام الذي يلعبه هذا البروتين أو الحمض النووي في تشكيل الصفات الوراثية وانتقالها من جيل إلى آخر.

 4 – التطور في مجال النقل:

لم يكن التطو العلمي الذي شهده العالم خلال نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، في مجال النظريات العلمية فقط، وإنما امتد ليشمل نواحي الحياة اليومية، وبالأخص قطاع النقل والمواصلات، والذي كان أحد أهم ملامح النهضة الصناعية في أوروبا، ثم أيضًا بعد ذلك شهد ثورة هو الآخر مع تنامي النهضة والثورة العلمية في القرنين 19 و20، يعود ذلك إلى أن النقل هو أحد أهم عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أي مجتمع أو حضارة، ومن نتائج تلك الثورة في قطاع النقل والمواصلات، تطورت كفاءة وشكل وسرعات وأيضًا حمولات جميع وسائل النقل المختلفة، من قطارات، وسيارات، وشاحنات، بل وطائرات، وسفن، وهي التطورات التي ما زالت أصدائها تتداعي حتى يومنا هذا.

 5 – تطور مجال الاتصالات:

يعد مجال الاتصالات من أقدم المجالات التي تم ظهورها مع انتشار التجمعات البشرية حتى في عصر الإنسان البدائي، وإن كان ذلك بالطبع تم بوسائل بدائية تتناسب مع ملامح هذا الوجود الإنساني، فظهرت الكتابة (في شكل نقوش رمزية) كأقدم وسيلة اتصال وتواصل بين الجنس البشري، ثم تطور الأمر بشكل كبير في عام 1453 عندما تم ابتكار مطبعة جوتنبرج، والتي أسست لألمرحلة الثانية من تطور علم الاتصال، فظهرت نتيجة لها الكتب والصحف والمطبوعات بكافة أنواعها، لتخلق نوع مرن في التواصل بين البشر لمسافات بعيدة بعض الشيء، ولم يعد هذا الاتصال محصورًا داخل حدود التجمعات البشرية الضيقة، ثم تطور الأمر مع دخول الاتصالات إلى مرحلة "التكنولوجيا والالكترونيات"، والتي جعلت العالم كله على اتصال ببعضه فيما عرف بمطلح "القرية العالمية"، أي أن العالم كله قد تحول إلى قرية صغيرة، في إشارة لأصغر وحدة مجتمعية كانت تضم تجمعات بشرية وهي "القرية أو الريف"، ومع كل ابتكار تكنولوجي يتم إضافته للبشرية كان علم الاتصال يقفز قفزات هائلة، وحدث ذلك مع الراديو والتليفزيون والهاتف (الأرضي) والفاكس والتليغراف، وبالطبع زاد الأمر وتحول إلى ثورة في مجال الاتصالات مع ظهور الكمبيوتر والإنترنت والأقمار الصناعية والهواتف الخلوية (الجوالات).