ملف حول التعبير الفني في عصر النهضة

 

"الفن.. ذاكرة الشعوب".. عبارة كثيرًا ما رددناها أو سمعناها، دون أن نركز في معناها بشكل دقيق، ولو فعلنا لوجدنا أن هذه المقولة صحيحة تمامًا، خاصة إذا ما قمنا باختيار أمثلة شهيرة في التاريخ القديم مثل حضارات الفراعنة (المصريين القدماء)، والذين تناقلت الأجيال المتعاقبة قصصهم وأساطيرهم التي جسدتها الجداريات الشهيرة في شتى أنحاء مصر، ونفس الحال مع الحضارة البابلية والصينية القديمة، وفي العصور الأكثر حداثة، لن نجد أفضل من الآثار الفنية لعصر النهضة الأوروبية، والتي جسدت ما وصلوا إليه من العلوم والفنون والآداب، بل والقدرات العسكرية والسياسية لكل دولة انضمت إلى قطار "الصحوة" في أوروبا.

أهم مميزات التعبير الفني في عصر النهضة

ولعل أهم ما يميز التعبير الفني في عصر النهضة الأوروبية، أنه خلق مدارس فنية جديدة، أعادت بناء العلاقة بين الإنسان والفن، فالأعمال الفنية التي تركتها لنا الحضارات القديمة في مصر والعراق والشام والصين، كانت بدائية إلى حد ما، في بنائها الفني والإبداعي، وتطورت تلك الرؤية الفنية في العصرين اليوناني والروماني والإسلامي (الأندلس) ونهاية عصر الأسرات في الحضارة المصرية القديمة، وتطورت أكثر في عصر النهضة الأوروبية، حيث حرص فنانو تلك الحقبة من الزمان، على وضع قواعد جديدة ومدروسة للتعبير الفني، ولم يعد الفن مجرد وسيلة لتدوين الأحداث الحياتية والانتصارات الحربية والسياسية فقط، بل أصبح التعبير الفني في عصر النهضة يعكس روح الفنان وطموحاته ومشاعره وأحاسيسه، بالإضافة إلى تجسيد الحالةالعامة للدولة أو المجتمع الذي يعيش فيه.

بداية ظهور مصطلح التعبير الفني

ومع تحول الفن في عصر النهضة إلى وسيلة للتعبير عن مشاعر الفنان ومعتقداته ورؤيته الشخصية والمستقبلية، أصبحت الآراء والأفكار المتعلقة بالتعبير الفني تتضارب بين كل فنان وآخر، وتعكس تجاربهم الحياتية الواقعية، ومن هنا تشعبت المدرسة الواحدة إلى مدارس فنية متعددة، وتبارى كل فنان لإبراز أقصى ما لديه من مواهب، وظهرت أساليب فنية لم تكن متواجدة في الحضارات السابقة، كما ظهرت أنواع جديدة من التعبير الفني لم تكن موجودة من قبل.. ولعل هذا هو السبب في أن حقبة عصر النهضة الأوروبية، كانت هي بداية ظهور لفظ التعبير الفني بالشكل أو التعريف الأكاديمي، إذ أن هذا المصطلح يقصد به استجابة الفنان بشكل عفوي، لما تمليه عليه موهبته الفنية من مشاعر وعواطف، والتي بالطبع تختلف من شخص لآخر، ومن إحساس إلى آخر، إذ أن لكل إحساس وفنان أسلوباً خاصاً به يقوم من خلاله بوضع الصيغة الفنية التي تحقق الجمال من وجهة نظره، وقد انعكست في ذلك التعبير الفني الطبيعة بتنوع كائناتها، وكذلك انعكس عليه انسجام الألوان والأضواء بشكل قوي وملحوظ في جميع المدارس الفنية في عصر النهضة.

مفهوم النهضة في أوروبا

وكما كان عصر النهضة الأوروبية، هو بداية ظهور مصطلح التعبير الفني، فإن الفن كان هو قاطرة النهضة في أوروبا، إذ أنه من المعروف أكاديميًا أن مصطلح النهضة، إنما يقصد به إحياء التراث القديم، وبالطبع لن يحدث ذلك إلا إذا تمت إعادة إحياء ما شهده هذا التراث من آداب وفنون وعلوم، وكذلك بالطبع طرق التعبير سواء الفني أو اللغوي، وما شهده هذا العصر القديم من الدراسات السياسية والاجتماعية، كما تتضمن عملية إحياء التراث الشعبي القديم، استعادة ما طرأ عليه من تغير مجتمعي سواء على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي، أو حتى الديني أو السياسي، ومن هذا المنطلق ظهرت بوادر عصر النهضة الأوروبية انطلاقًا من إيطاليا، وذلك من خلال حركة فنية وأدبية كانت تدعو إلى إعادة إحياء آداب وفنون الحضارة الإغريقية القديمة، تلك الحقبة التاريخية الهامة التي شهدتها إيطاليا في وقت سابق، وأطلقت تلك الحركة على نفسها اسم الآداب الإنسانية.

بداية عصر النهضة الأوروبية

ومن إيطاليا، كانت البداية، لتمد آثار النهضة في غالبية أنحاء أوروبا، لتستمر في الفترة ما بين القرنين 14 و16، ويضع المؤرخون خطًا لانطلاق عصر النهضة الأوروبية، يبدأ من عام 1453، وذلك بعدما احتضنت إيطاليا مجموعة كبيرة من علماء اليونان والرومان في مختلف المجالات، والذين نزحوا إليها بعد سقوط القسطنطينية، حاملين إليها عدد غير محدود من المعارف والعلوم والفنون، أثرت بشكل كبير في فكر وثقافة مبدعي إيطاليا وفنانيها، وظهر ذلك جليًا في تأثر غالبيتهم بالفن الإغريقي، والذي يتميز بأنه يجعل الإنسان هو محور التعبير الفني بالإضافة إلى الاهتمام بالطبيعة، ولهذا ظهرت عشرات اللوحات التي تحمل وجوهًا وأشخاصًا من أشهرها "الموناليزا"، كما تطورت المدارس الفنية الأوروبية لتبدأ في استخدام الزيوت النباتية، في رسم اللوحات والجداريات، كما طالت تلك النهضة الفنية، ما كانت تمتلكه إيطاليا من فن معماري، فانتشرت في ذلك الوقت أبرع وأبدع الزخارف في القصور والكنائس، مثلما أعمال مايكل أنجلو في أشهر كنائس إيطاليا. 

 أهم ملامح التعبير الفني في عصر النهضة الأوروبية

بالتأكيد لم تكن النهضة بأوروبا في التعبير الفني فقط، بل شملت جميع أوجه الثقافة الأوروبية، وكذلك الحياة الاقتصادية والسياسية، بل والاجتماعية والدينية، وإن كان أكثر قطاع قد تأثر بهذه النهضة هو الفنون بمختلف أدواتها ومدارسها، فعلى سبيل المثال شهد الفن المعماري، تأثرًا واضحًا بالحضارة الرومانية، على يد فيليبو برونليسكي في فلورنسا، ومنها امتدت إلى مدن أخرى في إيطاليا، ثم انتشرت في فرنسا وانجلترا وألمانيا وروسيا على مدار السنوات الأخرى، ومن تلك البلدان انتشرت في معظم أرجاء أوروبا، كما امتد تطور التعبير الفني إلى مجال الرسم، ويعد رائد النهضة الفنية في الرسم هو أسطورة الفن الإيطالي، ليوناردو دافينشي (1452 - 1519 م)، والذي برع في عدم مجالات من التعبير الفني، مثل الرسم والنحت، كما عرفته النهضة الأوروبية على أنه معماري وعالم خاصة في مجال التكنولوجيا والمخترعات، ولعل ذلك يعود إلى حالة الشغف بالبحث العملي، والتي انتابت دافنشي لسنوات، وظهرت في أعماله الفنية الخالدة، وتأثر بها وبه عدد كبير من الفنانين والمريدين الإيطاليين، حتى أن آثار أعماله وتأثيرها في مدراس الفن الإيطالية المختلفة، قد امتد لما يزيد على قرن كامل من الزمان، بعد وفاة المبدع ليوناردو دافنشي، ولم يتوقف تأثيره فيمن حوله في مجال الفنون فقط، بل امتد إلى مجال البحث العلمي الذي كان دافنشي يعشقه بقوة، فهناك أبحاث ما زالت باسمه في مجال علوم التشريح والبصريات وكذلك في علوم الحركة والماء، وقد تتعجب كثيرًا عندما تعلم أن لوحات ومخطوطات دافنشي كانت النواة الأولى لابتكار الغواصات والطائرات الهليكوبتر ومظلات الهبوط، وعدد آخر من المبتكرات التي رسمها في لوحاته، وترجمها العلماء والمخترعين في العصر الحديث إلى مخترعات نستخدمها حاليًا. كما امتد تأثير الفنون الرومانية والإغريقية القديمة في التعبير الفني خلال عصر النهضة بأوروبا، ليشمل فن النحت، والذي كان متواجدًا من قبل في إطار الفنون التشكيلية الأوروبية، وكانت له مدارس متنوعة، وغالبًا ما يكون الإنسان والطبيعة هما محور الأعمال النحتية، ولم يعد النحت الأوروبي خالي من الألوان، بل شهد عصر النهضة استخدام مزيج من الألوان المائية أو الزيتية، كما تم استخدام ألوان الفرسك في عدد من الأعمال الفنية، ويعد رائد مدرسة النهضة في فن النحت، هو الفنان والمثال الإيطالي العبقري مايكل أنجلو (1475 – 1564)، والذي يعود إليه الفضل في وضع أسس الدمج بين فن النحت والرسم بالريشة، كما أنه من أوائل من استخدموا الأقلام الملونة في الرسوم، كما أنه اشتهر بكونه كان يستوحي معظم أعماله من الأساطير اليهودية التي ذكرها الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد (التوراة والإنجيل)، وما زالت أعماله الفنية والنحتية تثير الإبهار بين عشاق الفن وكذلك بين الفنانيين أنفسهم، ومن أشهر ما تركه من أعمال نحتية تجسد أقصى درجات الإبداع في التعبير الفني بعصر النهضة الأوروبية، تمثال نبي الله داوود وتمثال السيدة العذراء مريم، ولقد قام مايكل أنجلو بانجازهما قبل أن يتم عامه الثلاثين.


Add Your Comments

Disqus Comments