اهلا بك هذه مجلة moussiac.com مجلة إلكترونية متميزة بفكرتها

مقدمة كتاب الهواء الجديد.

مقدمة ؟ لماذا أليس المقصود منها فقط هو تضخيم المجلد وتكثير عدد الأوراق . ﻻ.الأمر أكثر جدية من ذلك . فمن الواجب على الكاتب في بلادنا خصوصا إذا كان ينتج القصة , ان يفسر للجمهور , وبعبارة أكثر واقعية و صراحة , ﻻ يمكن أن نكتب القصة والرواية كما يكتبها القصاصون والروائيون في أروبا وأمريكا حيث ترسخت جذور هذا الفن منذ قرون , وتربى عليه ذوق الجمهور من خلال التجارب ونماذج ومدارس مختلفة , وانتقلت الحضارة بين أطوار متعددة من

عهد الاقطاعية الفلاحية الى عهد الثورة الصناعية الكبرى وما يترتب عنها اليوم من اكتشافات كبرى في ميادين العلم و التقنيات ,فتحولت , من جراء ذلك , المفاهيم والاهتمامات والأذواق , ونشأ بين الحياة العادية الصرفة والحياة الفكرية توازن جديد ﻻ يمكن أن يوجد إلا في تلك المجتمعات المعقدة بمعطياتها وبنياتها .

ولذلك , فمن الخطأ اتخاد النموذج الأروبي كما هو , بدون أي محاولة لتكييفه . بل لابد من مراجعته , حتى تستطيع القصة أو الرواية أن تلعب دورها الثقافي الفعال في مجتمعنا . اللهم إلا إذا كنا لا نضع في اعتبرنا جمهورنا الذي يعيش حوالينا , ونكتب لجمهور عالمي مفترض , حينذاك يحق لنا أن نبحث عن آخر الموضات وأغرب الأساليب !؟ .

لكن لا ننسى أن القصة هي , بصورة أو بأخرى , تعبير عن مجتمع وعن حضارة , ورسم لانسانية مجسمة في مشخصاتها التاريخية و الجغرافية , ولذلك فلا مندوحة للكاتب عندنا ـ ان هو حقا أراد أن يؤدي مهمته ـ من أن ينزل من برجه العاجي إلى الحضيض الذي تعيش فيه الإنسانية حواليه ليندمج فيها ويكون أصدق معبر عما تحمله بين طيات قلبها . وهو في اندماجه وفي انتاجه ليس لديه . في الواقع , أي مثال أو نموذج , ولا يستند إلى قواعد مقررة من قبل . و إنما عليه قبل كل شئ أن يعتمد لى تجربته وحدسه وقدرته على الإبتكار .

ومعنى هذا أن ما ننتجه اليوم من قصص يمثل هاته التجارب التي نقوم بها لنحاول لاتصال بالجمهور , انها , في الحقيقة , بحث عن فن جديد , عن لغة جديدة تهدف الى ان تكون اعمق وأوسع في التبليغ من كل الاساليب السابقة .صوت جديد يقرع الآذان فتندفع إلى الإنصات , وبدون إكراه , فليس المهم أن نكتب كما يكتب سارتر أو هيمنجواي , بل أن نكتب كما يريد منا إبن بلدتنا , وإبن حيينا الذي يحمل في نفسه , لو بصورة غير واضحة , شوقا دفينا إلى فن قومي أصيل ويبحث عنه فلا يجده ويظل في حالة عطش مزمن.

فلتتعدد التجارب , اذن ,ما وسعها التعدد ,فنحن لا زلنا في طور البحث عن صيغة أصيلة للفن القومي.

وهنالك ظاهرة أخرى تميزنا عن الدول المتقدمة , وهي أننا في هاته الفترة التي نحاول فيها النهوض ﻻ يستطيع الأدب عندنا أن يجتنب نوعا من الطابع البيداغوجي التربوي . ويجد الكاتب نفسه , أمام مظاهر الفراغ والتخلف والجهل والبؤس , سواءأراد ذلك أم لم يرده , ويقوم تلقائيا بدور المرشد والمعلم .فهو بإزاء مادة خام عليه أن يحولها , وبإزاء عالم بكر عليه أن ينتهك حرماته ويكتشف أسراره , وبإزاء عدد من العقول المغلقة ﻻبد له من محاولة تفتيحها أو تشقيقها , على الأقل , لإجراء الحوار معها . ولعل هذا هو أكبر مضمون للالتزام بالنسبة لهذه الفترة من حياتنا الثقافية .

وكل هذا ييبتعد بنا , طبعا , عن النموذج الاروبي ويلزمنا بأن نختار لأنفسنا طريقا خاصة بنا تجعلنا نستوحي صيغنا الادبية , قبل كل شئ , من الواقع الذي نعيش بين ظهرانيه . نعم , ان ذلك النموذج سيفيدنا في بعض الجوانب . فهو سيطلعنا على المستويات التعبيرية والفكرية و التأليفية التي استطاعت الآداب المتقدمة في العالم أن ترتقي إليها وسيتيح لنا الفرصة لنقتبس , وبتمييز ذكي , ما هو صالح لنا . ولكن هذا لا يحل لنا مشكلة الهندسة العامة للعمل للأدبي كما يجب أن يكون عندنا في هاته المرحلة وﻻ مشكلة التعبير والأسلوب. وهو ما يجي أن نبحث عنه جميعا في محاولات اليوم والغد مع اليقين بأن التوفيق هو حليف المجهود الصادق المخلص , الذي يكون الكاتب , في قرارة نفسه , مقتنعا بفعاليته ونتيجته قبل غيره .