ظاهرة الشعر الحديث لمحمد المجاطي"المعداوي"...!!!

 نظرا لاحتكاكي في حياتي الدراسة مع مؤلف "ظاهرة الشعر الحديث " فقد ارتأ لي ان اقدم لكم دراسته:
محمد المعداوي مولف كتاب ظاهرة الشعر الحديث


فور لقاء العين واليد بالكتاب، نتعرف على حجم الكتاب وسمكه ( 272 صفحة، من الحجم المتوسط بمقاس20.5 سم في 13.5 سم، بخط متوسط بمقاس 12.)، ثم تواجهنا العتبات التالية التي لا بد من المرور بها للعبور إلى القراءة الشاملة للنص:

I- العتبات الخارجية:

1- الغلاف الخارجي: يتداخل فيه الخطابان اللغوي والبصري، ولكل منهما مكونات جزئية:

1-1- الخطاب البصري: تهيمن عليه الألوان الحارة (الأصفر، الأحمر وسلالم مزجهما بالألوان الأخرى) التي تصل ذروة البروز مع الأحمر القاني الذي اختير لتلوين عنوان الكتاب (الوظيفة التنبيهية) وشعار (لوغو) دار النشر (الوظيفة الإشهارية).
لهذا الأحمر تجاوبات وانعكاسات تضيء صورة لوحة الفنان المغربي المصطفى السنوسي التي وقع عليها اختيار الناشر لتزيين الغلاف الخارجي للكتاب (مأخوذة من كتاب آلان فلامان الموسوم ب "نظرة على التشكيل المعاصر بالمغرب")،مما يعني أن الفنان السنوسي لم ينجز هذا العمل التشكيلي تخصيصا لكتاب المجاطي).




1-1-1- وصف اللوحة: لوحة تجريدية، تتخذ من الكاليغرافيا العربية موضوعا صريحا لها. تقدم لمشاهدها في ركنها الأيمن كتلة متدرجة اللون من الأحمر القاني إلى البرتقالي المفتوح الممتد للأصفر (توحي بالقلب، بالدم، بكوكب في الفضاء...)، وراء هذه الكتلة تتعانق الحروف العربية بمختلف الأحجام والألوان وبحركة تخلق انطباعا بالتعالي والتحليق والطيران (حروف شبيهة بأسراب طيور من أجناس متباينة)، يمكن للمشاهد أن يميز في هذا العناق الكاليغرافي بعض كلمات مبتورة الحروف، وحروفا مفردة تخلق شعورا بالارتباك والغموض وحرية اللعب بالجمل والكلمات، كما أن عناقها المتسق في اللون والحركة يجعلها جاذبة وآسرة بما تختزنه من "جمال تشكيلي" تقف وراءة خبرة فنان عارف بحرفته وعاشق لها..

1-1-2- تأويل اللوحة: هيمنة التجريد على عناصر اللوحة (الألوان والحروف والأحجام) يشير إلى تعدد مكونات العمل الفني، ويؤكد على هويته الذاتية التي تتجاوز نسخ الواقع أو النموذج الجاهز إلى خلق "فضاءات جمالية" لغوية وبصرية ممتعة ومفيدة بما تختزنه من خيال وحرية وتفنن في إعادة توزيع العناصر لا على مثال-نموذج سابق، وبما تثيره من دلالات مفتوحة وقابلة لعدة تأويلات... أليست هذه الخصائص هي نفسها التي ستوجه عناية الشاعر الحديث في تحرره التدريجي أو الثوري من معيارية النموذج الشعري القديم؟

1-2- الخطاب اللغوي: وقد تم توزيعه وترتيبه وفق مجموعتين:

الأولى تتشكل من تلك المثبتة فوق صورة اللوحة، وتتحدد وظائفها في الإشارة إلى الطابع المدرسي لنشر الكتاب وبالتالي تحديد فئة القراء المستهدفة (مؤلف موجه للتلاميذ، وهو معتمد وفق البرنامج الجديد للغة العربية من لدن وزارة التربية والتعليم...)، وإبراز موضوع الكتاب من خلال عنوانه: "ظاهرة الشعر الحديث"، ثم التدقيق في فئة التلاميذ المستهدفة سلكا ومسلكا وفق الهيكلة الجديدة للتعليم الثانوي التأهيلي: (السنة الثانية من سلك الباكالوريا، مسلك الآداب والعلوم الإنسانية واللغة العربية بالتعليم الأصيل).


أما الثانية (تحت اللوحة) فنجد فيها بالإضافة إلى اسم دار النشر (شركة النشر والتوزيع المدارس – الدار البيضاء) العبارة المشيرة إلى اسم مؤلف الكتاب بالصيغة التالية "أحمد المعداوي-المجاطي" وقد أثبتت بخط أسود رقيق تتوارى معه في الذهن نماذج الكتب التي يكون فيها اسم الكاتب أكثر بروزا من العنوان ! فما قصد الناشر من إخفاء اسم كاتب لقبه مجايلوه من الأدباء المغاربة ب"شاعر المغرب"؟ أيقصد تجسيد شيمة من شيم الراحل(التواضع، التواري، الهروب من الأضواء...)؟!
يتبين أن عنوان الكتاب تم تمييزه بخط أحمر وسميك يجعله مهيمنا على غيره من العبارات اللغوية ذات الأحجام والألوان والمراتب المختلفة. وهذا ما يستدعي تفكيكه الدلالي باعتباره العتبة الأهم على واجهة الغلاف الخارجي:

1-2-1- تفكيك العنوان: يتشكل العنوان من خبر لمبتدأ محذوف مضاف(ظاهرة) ومضاف إليه (الشعر) وصفة (الحديث). وبذلك فإن موضوع الكتاب يتحدد في "دراسة الشعر باعتباره ظاهرة من الظواهر الأدبية في العصر الحديث"، مما يعني أن "الشعر الحديث" مرحلة عابرة في تاريخ الشعر العربي، لكنها تتفرد بما يخصصها ويميزها عن غيرها من التجارب والاتجاهات، ومن المفترض، من خلال دلالات العنوان، أن ينصب جهد الباحث على دراسة هذه "الخصائص" ومقارنتها بشجرة أنسابها الشعرية قديمها وحديثها، مع ربطها بسياقها التاريخي والثقافي العام، وإخضاعها للملاحظة والتحليل والتأويل.

1-2-2- الدلالات: لا يحدد العنوان هوية لغة هذا "الشعر الحديث"، لكن مكونات الغلاف البصرية واللغوية تسمح بحصر أكثر دقة لموضوع الكتاب: "ظاهرة الشعر العربي الحديث"... فلماذا صمت المعداوي عن تحديد الهوية اللغوية لهذا الشعر ضمن عنوان الكتاب؟

2- الغلاف الخلفي: بالإضافة إلى ثمن البيع، والسلسلة الرقمية للكتاب في السوق، واسم وعنوان دار النشر وأيقونة شعارها، يقدم الناشر الكتاب بكلمة تفصل ما أجمله العنوان:

"يتناول أحمد المعداوي-المجاطي في هذا الكتاب حركتين تجديديتين في الشعر العربي الحديث، واجهتا الوجود العربي التقليدي: - الحركة الأولى واجهته وهو يتمتع بقدر مناسب من التماسك، فكان التطور بالنسبة إليها تطورا تدريجيا، ويدخل في هذه الحركة كل من جماعة الديوان، وتيار الرابطة القلمية، وجماعة أبولو. – بينما واجهته الحركة الثانية... في وقت كان التجديد بالنسبة إليها قويا عنيفا، يجمع بين قضيلة التفتح على المفاهيم الشعرية في الغرب، وبين الثورة على الأشكال الشعرية العتيقة".

ويستفاد من هذه الكلمة أن موضوع الكتاب هو دراسة التطور الذي لحق الشعر العربي في العصر الحديث من خلال حركتين يجمعهما هاجس التجديد والتطوير، وتميزهما درجة مواجهة شكل "الشعر العربي التقليدي" ومضمون "الوجود العربي التقليدي". أي أن الكتاب يزاوج بين دراسة الشكل والمضون في مقاربته ل "ظاهرة الشعر العربي الحديث" من خلال تجاوبه الجدلي مع حركة الواقع وما مس دلالاته وبنياته الشكلية من تحولات متفاوتة الدرجة تبعا لطبيعة المحيط العام المنتِج والمستقبِل للأثر الشعري الحديث.

II- العتبات الداخلية:

1- صفحات البداية: الصفحة الأولى إعادة توزيع مختلفة لنفس مكونات الخطاب اللغوي للغلاف الخارجي، تليها صفحة مخصصة لتوثيق الكتاب، تتضمن: عنوان الكتب، اسم المؤلف، اسم الناشر وعنوانه وهاتفه وبريده الإلكتروني وموقعه على الوب، اسم شركة التوزيع وعنوانها وهاتفها، رقم الطبعة (الثانية: 1428-2007)، اسم صاحب لوحة الغلاف ومصدرها... بالإضافة إلى المؤشرات الخاصة بقانون النشر: حفظ حقوق التأليف، رقم الإيداع القانوني 2142-2002، رقم الردمك...
فوق هذه المؤشرات تستفزنا عبارة مكتوبة بخط عريض تقول: "يمنع منعا كليا نسخ أو اقتباس أو نشر أي جزء أو نص من هذا الكتاب، دون إذن خطي من الناشر". وهذا يثير مشكلة حفظ حقوق المؤلف ومبيعات شركة التوزيع، كما يجعلنا أمام مشكلة تداول المعرفة الأدبية والعلمية على شبكة الإنترنت وحدودها. فهل يمكننا الاطمئنان إلى الطابع المغلق والتام لهذا المنع في عصر الإنترنت والثقافة الرقمية؟

2- صفحات النهاية:
2-1- ثبت المراجع: (أربع صفحات)، ويمكن تصنيفها نوعيا ضمن الخانات التالية: الدواوين والمختارات الشعرية، نظرية الأدب والنقد الأدبي، المجلات الأدبية... من جهة الموضوعات تهيمن لفظة "الشعر" وامتداداتها الدلالية، أما من حيث المجال الزمني فهو يتأطر إجمالا ضمن العصر الحديث (القرن العشرون).

2-2- فهرس الموضوعات: يحدد عناصر وحيز الصحفات التي توزعت على أربعة فصول: 1- التطور التدريجي في الشعر العربي (يندرج ضمنه قسمان، أولهما بعنوان: "نحو مضمون ذاتي"، وثانيهما بعنوان: " نحو شكل جديد" ) 2- تجربة الغربة والضياع 3- تجربة الحياة والموت 4- الشكل الجديد، بالإضافة إلى الخاتمة.

3- صفحات المتن: (من الصفحة 5 إلى الصفحة 264)، وهي تتوزع بالشكل والحجم المحددين ضمن إحالات فهرس الموضوعات.
 
III- التركيب: (صياغة فرضية قراءة المؤلف وتحديد الإشكالية المطروحة)

نخلص من دراسة عتبات الكتاب الخارجية والداخلية، إلى فرضية كبرى مفادها أن "ظاهرة الشعر الحديث" دراسة نظرية ونقدية ترصد تطور الشعر العربي الحديث، في الزمان (بين النكبة والنكسة) والمكان (العراق، الشام، مصر)، وتبحث في عوامل الانتقال من مرحلة إحياء النموذج (حركة البعث) وتمجيد الذات (الاتجاه الرومانسي)، إلى مرحلة التحرر من قيود التقليد، مع رصد الروافد والتجارب التي منحت للتجديد صبغة التطور القوي والعنيف في الشعر العربي الحديث:

1- على مستوى المضامين: من خلال دراسة تجربة الغربة والضياع، وتجربة الموت والحياة، وإبراز ما تتميز به كل تجربة من مظاهر وخصوصيات في التعامل مع الذات والواقع الحضاري واستثمار مناخ الحرية وحصيلة الاحتكاك المعرفي والثقافي.

2- على مستوى الشكل الشعري: عبر دراسة طبيعة اللغة الشعرية والسياق وآليات التعبير، وبشكل أخص الصورة الشعرية والأسس الموسيقية.

كل ذلك يؤكد القيمة النقدية والأدبية للكتاب من حيث التنظير والتأريخ لظاهرة الشعر العربي الحديث، ودراسة قضاياه الموضوعية والفكرية والفنية في إطار علاقتها بمحيطها العام: فما طبيعة القضايا المطروحة في الكتاب؟ وما هي عناصرها ومكوناتها؟ ما سمات ومرجعيات المقاربة النقدية المعتمدة من طرف الكاتب؟ ما مميزات منهجية الكاتب في عرضه لآرائه ومعالجته لقضايا الشعر العربي الحديث؟ إلى أي مدى كان أحمد المجاطي دقيقا في رصده لعوامل وأصناف التطور والتجديد؟ وما حدود الموضوعية والحياد في وصفه وتحليله وتأويله للمتن الشعري المدروس؟ وما القيمة الإجرائية للأحكام النقدية والنتائج النظرية التي انتهى إليها؟


Add Your Comments

Disqus Comments